مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

جثة في الممر

قصة بعنوان.   جثة في الممر

 

✍️ الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم يكن الممر رقم 7 داخل مستشفى الرحمة يُستخدم كثيرًا

المرضى كانوا دائمًا يرفضون المرور منه

والممرضات يحاولن إنهاء أي عمل فيه قبل منتصف الليل

أما الحراس

فكانوا يتجنبونه تمامًا

لم يكن أحد يعرف متى بدأت الحكاية بالضبط

لكن الجميع كان متأكدًا من شيء واحد

أن شيئًا غير طبيعي يعيش هناك

الممر كان طويلًا بشكل مزعج

إضاءته ضعيفة

وجدرانه القديمة مليئة ببقع رطوبة سوداء تشبه آثار أيادٍ بشرية

وكانت هناك دائمًا رائحة غريبة

ليست رائحة موت عادية

بل شيء أعمق

شيء يشبه اللحم المتعفن المختلط بالأدوية

في الطابق الثالث من المستشفى

كان الدكتور كريم يبدأ أول ليلة عمل له

شاب في الثامنة والعشرين من عمره

هادئ

عقلاني

ولا يؤمن بالخرافات أبدًا

حين كان يوقع أوراق الاستلام داخل غرفة الأطباء اقتربت منه ممرضة عجوز تُدعى أمينة

نظرت إليه طويلًا ثم قالت بصوت منخفض

لو سمعت أي صوت جاي من الممر 7 بعد الساعة 2 بليل ما تروحش

رفع كريم حاجبه باستغراب

ليه يعني

سكتت للحظة

ثم قالت

علشان اللي بيروح هناك بعد الساعة دي ما بيرجعش زي الأول

ضحك كريم بسخرية

أكيد تقصدي إشاعات المستشفيات القديمة والكلام ده

لكن أمينة لم تضحك

بل ظلت تنظر إليه بخوف حقيقي

ثم همست

أنا شفتها بنفسي

شعر كريم بانزعاج بسيط

لكنه تجاهل الأمر

مرت الساعات الأولى هادئة

بعض المرضى

أصوات الأجهزة

ومرضى الطوارئ المعتادون

حتى جاءت الساعة 1 و47 دقيقة بعد منتصف الليل

انقطعت الكهرباء للحظات

ثم عادت

لكن شيئًا غريبًا حدث

جميع شاشات المراقبة داخل غرفة الأمن توقفت عند صورة واحدة

الممر رقم 7

اقترب الحارس من الشاشة وهو مرتبك

وكان هناك شيء ظاهر في آخر الممر

شيء يشبه إنسانًا جالسًا على الأرض

رأسه منخفض

وجسده ثابت تمامًا

قال الحارس بخوف

مين ده

اقترب كريم من الشاشة

الصورة كانت مشوشة

لكن الشيء المؤكد

أن هناك شخصًا بالفعل

أمسك كريم جهاز الاتصال وقال

أكيد مريض تايه

ثم خرج باتجاه الممر

صرخ الحارس خلفه

دكتور بلاش

لكن كريم أكمل طريقه

كل خطوة داخل الطابق كانت تجعل الهواء أبرد

حتى وصل إلى بداية الممر رقم 7

وهناك

شعر بشيء غريب لأول مرة

الصمت

المكان كان صامتًا بشكل مرعب

لا أجهزة

لا حركة

لا حتى صوت أنفاس

نظر إلى آخر الممر

فوجد الجسد

كان شخصًا يجلس على الأرض بالفعل

يرتدي ثوب مرضى أبيض ملطخًا بالدماء

ورأسه منخفض للأسفل

قال كريم بصوت مرتفع

يا أستاذ

لا رد

اقترب أكثر

ثم توقف فجأة

الجسد لم يكن يتنفس

بدأ القلق يتسلل داخله

أخرج مصباح هاتفه وسلط الضوء على الوجه

وفي اللحظة التي ظهر فيها الوجه

شعر بأن قلبه توقف

الجثة كانت بلا عينين

مجرد تجاويف سوداء عميقة

والفم مفتوح بشكل مرعب كأنه مات وهو يصرخ

تراجع كريم للخلف بعنف

لكن فجأة

سمع صوت شيء يُسحب على الأرض خلفه

استدار بسرعة

الممر كان فارغًا

عاد ينظر للجثة

فاختفت

تجمد مكانه

ثم بدأ يسمع صوت تنفس قريب جدًا

خلف أذنه مباشرة

تنفس بارد

ثقيل

متقطع

التفت بسرعة

لا أحد

لكن على الجدار بجانبه

بدأت تظهر كلمات مكتوبة بالدم ببطء

شفتها

إذن أنت التالي

ارتجفت يداه

وحاول الرجوع للخلف

لكن أنوار الممر بدأت تنطفئ واحدة تلو الأخرى

حتى غرق المكان في الظلام الكامل

ثم

بدأ الصوت

صوت خطوات حافية

بطيئة جدًا

تقترب منه

تك

تك

تك

كان الصوت يقترب أكثر

وكريم لم يعد قادرًا على الحركة

فجأة

أضاءت الأنوار للحظة واحدة فقط

وفي نهاية الممر

ظهرت امرأة

طويلة بشكل غير طبيعي

شعرها الأسود يغطي وجهها بالكامل

وثوبها الأبيض مغطى بالدم

لكن الشيء الأكثر رعبًا

أن رأسها كان مائلًا بزاوية مستحيلة

كأن رقبتها مكسورة

ثم انطفأت الأنوار مجددًا

واختفى كل شيء

ركض كريم بجنون

لكن الممر بدا أطول من الطبيعي

كلما ركض

لا يصل للنهاية

والخطوات خلفه تزداد سرعة

ثم شعر فجأة بيد باردة تمسك قدمه

سقط أرضًا بعنف

وحين التفت

رأى عشرات الأيدي السوداء تخرج من تحت الأرض

تمسكه

تسحبه

صرخ بكل قوته

وبصعوبة استطاع الإفلات والركض مرة أخرى

حتى لمح باب غرفة مفتوحًا

دخل بسرعة وأغلق الباب خلفه

كان يتنفس بعنف

وينظر حوله بخوف

الغرفة قديمة جدًا

ومغطاة بالغبار

وفي المنتصف

كان هناك سرير معدني

فوقه جثة مغطاة بملاءة بيضاء

بدأ يسمع صوت بكاء خافت

بكاء امرأة

يأتي من زاوية الغرفة

سلط ضوء هاتفه هناك

فلم يجد شيئًا

لكن حين التفت نحو السرير

كانت الجثة جالسة

الملاءة سقطت ببطء

وظهر الوجه

وجه فتاة صغيرة

جلدها رمادي

وعيناها سوداوين بالكامل

ثم فتحت فمها بطريقة غير طبيعية

وخرج صوت رجل عجوز منها

ليه سيبتنا نموت

صرخ كريم واندفع نحو الباب

لكنه لم يفتح

بدأت الجثة تنزل من فوق السرير ببطء

عظامها تصدر طقطقة مرعبة

وهي تزحف نحوه

ثم بدأت باقي الأسرة داخل الغرفة تتحرك

واحدة تلو الأخرى

وجثث كثيرة بدأت تجلس فوقها

وجوه محروقة

أجساد مقطعة

وعيون تنزف دمًا

كانوا جميعًا ينظرون إليه

ثم تكلموا بصوت واحد

إنت شفتنا

إذن هتفضل معانا

فجأة انفتح الباب وحده

ركض كريم للخارج فورًا

لكن الممر لم يعد كما كان

الجدران أصبحت سوداء

والأرض مغطاة بالدم

وأصوات صراخ تأتي من كل مكان

ثم لمح شيئًا في آخر الممر

جثة معلقة بالحائط

اقترب منها ببطء

وحين وصل

شعر بأن روحه خرجت من جسده

الجثة كانت له

نفس وجهه

نفس ملابسه

وعيناه مقتلعتان

تراجع وهو يرتجف

لكن صوتًا خرج من خلفه مباشرة

متأخر جدًا

استدار ببطء

فوجد المرأة ذات الرقبة المكسورة تقف أمامه

قريبة جدًا

حتى إنه استطاع شم رائحة العفن الخارجة من جسدها

ثم رفعت يدها ببطء

وأشارت خلفه

نظر كريم

فاكتشف أن الممر اختفى بالكامل

وأصبح محاطًا بعشرات الجثث الواقفة

كلها تحدق فيه بصمت

ثم بدأت تقترب

ببطء

ببطء شديد

حتى أصبح محاصرًا تمامًا

صرخ بأعلى صوته

لكن لا أحد سمعه

وفي صباح اليوم التالي

وصلت الشرطة إلى المستشفى بعد بلاغ عن اختفاء الدكتور كريم

بحثوا في كل الطوابق

لكنهم لم يجدوا أي أثر له

إلا شيئًا واحدًا

كاميرات المراقبة

كانت قد سجلت لقطة واحدة فقط قبل أن تتوقف

ظهر فيها كريم واقفًا وحده داخل الممر رقم 7

يصرخ بجنون نحو شيء غير ظاهر بالكاميرا

ثم فجأة

ارتفع جسده في الهواء كأن أحدًا جذبه بعنف نحو الظلام

واختفى

ومنذ تلك الليلة

أُغلق الممر رقم 7 نهائيًا

لكن بعض العاملين في المستشفى ما زالوا يقولون

إنهم أحيانًا بعد منتصف الليل

يسمعون صوت خطوات حافية قادمة من الداخل

ومعها صوت رجل يبكي ويصرخ

افتحوا الباب

أرجوكم

هما لسه هنا