مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

يوميات قطر الندى زهراء وعلي مغامرة في قطار الحياة

Img 20240424 Wa0026

كتبت: هاجر حسن 

السماء مُلبدة بالغيوم، الساعة تُشير إلى السادسة صباحًا، حيث تستعد قطرة الندى لبدء رحلتها اليومية نحو الأرض. نظرة قطرة الندى إلى الأُفق المعتم، ثم قالت بصوت خافت: الرحلة اليوم ستكون شاقة، وطويلة مع هذه الغيوم الكثيفة، لكنني متشوقة لأرى ما سوف أرى في رحلة اليوم.

مع حلول الساعة السابعة مساءً، ينطلق القطار السريع مخترقًا المسافات والزمن، يعرف وجهته، فلا يقف أو ينتظر أحد.

بعد رحلتها الطويلة أثر الغيوم، هبطت قطرة الندى على نافذة القطار، تلقي بنظرها يمينًا ويسارًا، ثم تمتمت: “يا إلهي ما هذا الازدحام.

 

تتابع قطره الندى المشاهدة، فإذا بها ترى يدًا صغيرة تمتد خارج نافذه القطار، تلهو مع نسمات الهواء. تسرق قطرة الندى نظرة خاطفة إلى صاحبة اليد، فتجد فتاة في العاشرة من عمرها تقريبًا، شعرها الذهبي الطويل يتدلى كضفائر سنابل القمح الذهبي. وفستانها الأبيض مُزين برسوم عليها زهور وأشجار مُختلفة، تتساءل قطرة الندى نفسها: “أيهما أضفى جمال على الأخر، الفستان أم الفتاة؟”

 

تنقطع افكار قطرة الندى لصوت سيدة تجلس بهدوء بجوار هذه الفتاة تقول: “زهراء هيا بنا نردد سويًا أذكار الصباح”.

تُجيب زهراء بصوتها الطفولي البريء: حسنًا يا أمي، لكن أريد بعدها أن تروي لي قصة جديدة.

تتابع قطرة الندى المشهد بإعجاب، وهي ترى السيدة تمسك يد زهراء الصغيرة وتقبُلها بحنان، وتجيبها: نعم؛ عزيزتي أوعدك بأن أروي لك قصة جميلة بعد الانتهاء من قول الأذكار.

كانت قطرة الندى تتأمل زهراء ووالدتها، بإعجاب وفرح.

 

يقطع صمت العربية صوتًا لصبي صغيرًا، لم يتجاوز الثماني سنوات، ملامحه طفولية، عيناه يشع منها براءة خطفت أنظار كل من في عربة القطار.

ينادي بصوت عذب ملؤه الأمل: ” مناديل، مناديل، هل من مُشترٍ؟ يتنقل بين المقاعد يعرض بضاعته، على وجه ابتسامة بريئة تنير عربة القطار.

يرتدي ملابس بسيطة تحكي عن معاناته، حذاء واسع يخفي قدميه الصغيرين.

 

الجميع يستجيب لندائه، يشترون منه، يبتسمون في وجه، البعض يهديه نقودًا أكثر من ثمن علبة المناديل، والبعض الآخر يمنحه قطعة حلوي، فيبتهج وجه ويزداد إشراقًا، تلمع عيناه وكأنها نجوم في السماء .

عندما يصل الفتى حيث مقعد زهراء ووالدتها، يقول بصوت منخفض رقيق: هل ترغبين في شراء المناديل سيدتي؟ ” نظرت له والدة زهراء مبتسمة رقيقة، ثم طلبت منه علبتين، ثم تدعوه إلي الجلوس قائله: ما اسمك أيها الصغير، تعال واسترح قليلًا بجوارنا.

يجيب الصبي الصغير: اسمي علي، نعم؛ سأجلس حتى أستريح قليلًا إن لم يكن ذلك يزعجكم.

ترد السيدة بلطف: لا عزيزي، أنت ضيفنا في القطار الآن، ثم تضيف معلقة: ما أجمل اسمك يا علي!، فيبتسم علي بخجل وينظر إلي الأرض.

 

تتابع قطرة الندى المشهد من حافة النافذه بترقب وحماس، تتأمل حال الفتي الصغير متأثرة، تتمنى لو كان بإمكانها أن تعرف قصته.

 

تسأل والدة زهراء علي عن عمره، وهل يذهب إلي المدرسة؟ فيجيبها : عمري ثماني سنوات، ونعم أنا في المدرسة الابتدائية، لكنني اذهب فقط بالامتحانات. تتدخل زهراء بالحوار، لتسأل بفضول الأطفال: لماذا لا تذهب إلى المدرسة؟ ومن يشرح لك الدروس؟

يجيبها علي بنبرة واثقة: لا أذهب لأنني اعمل حتى أُساعد والدي بمصاريف البيت، وعم أحمد المعلم بحارتنا يشرح لي كل الدروس ليلًا، يحبني ويهتم بي.

تعلق زهراء بعفوية: ليس من العدل أنت تعمل في هذا السن، والدك ظالم!، تقاطعها والدتها بنبرة حادة، زهراء عيب عليك ما قلتِ، اعتذري حالًا

لعلي.

تعتذر زهراء بصدق قائلة: اعتذر، عما تحدثت به أثر غضبي، فيرد علي بنبرة واثقة مليئة بالفخر: أبي ليس بظالم، أبي هو بطلي الخارق، إنه قدوتي في هذه الحياة، إنه يعمل بكد ليلًا ونهارًا حتى يطعمنا ويعتني بي أنا وأختي الصغيرة.

ليس شيء يعيب أن أساعد أبي في درب الحياة، “لقد علمني معلمي أحمد أن الفقر ليس عارًا نخجل منه، بل هو اختبار من الله للإرادة والتحمل”،

 

تلمع عينا والدة زهراء متأثرة بقصة الفتي، وتنظر له نظرة إعجاب وفخر من بلاغة وفصاحة كلامه رغم صغر سنه، ومن ذكائه وتفوقه في التعليم الذي يتضح ويلمع من كل حرف نطق به.

ثم قالت له: -بارك الله فيك- يا علي، أنا واثقة بالله، أنك ستصبح في المستقبل ذا شأن عظيم، يفتخر بك والديك ومعلمك.

 

أما زهراء فنظرت إلى علي بخجل، ثم قالت له: اعتذر لك مرة أخرى، وأشكرك كثيرًا لأنك علمتني درسًا قيمًا في الحياة لن أنساه طوال العمر.

يبتسم علي، لمعت عينيه البنتين المملؤة بالبراءة، ثم قال لها: العفو، قبلت اعتذارك.

نظرت زهراء لوالدتها ثم قالت: استسمحك يا أمي هل يمكنني أن أعطي علي هدية صغيرة؟ فأجابت والدتها: نعم بالطبع عزيزتي.

قدمت زهراء لعلي نوته صغيرة ملونة، وقلم حبر أزرق، وقالت له: هذه هدية تذكارية بسيطة مني، أتمنى أن تكتب فيها أحلامك وذكرياتك السعيدة. وقف علي خجول، فقالت له والدة زهراء: مد يدك وخذها يا علي، النبي عليه أفضل الصلاة والسلام قد قبل الهدية.

تبسم علي وتلقي الهدية بامتنان، وشكر زهراء، ثم أخذ علي ورقة من النوته ورسم عليها زهرة خلابة وكتبا على الورقة اسمه، ثم اعطى الورقة إلي زهراء وقال لها: هذه الرسمة تذكار مني لك. تبسمت زهراء وفرحت كثيرًا وشكرته، وتمنت له التوفيق في حياته ودراسته.

توقف القطار، فقد وصل أخيرًا إلى وجهته. استأذن علي من والدة زهراء وزهراء وقام بتوديعهم، ثم مضى حيث يلقي والده.

امسكت زهراء بيد والدتها، فقامت والدتها بحضنها، ونظرت لها وقالت: لا بأس عزيزتي، الله لا ينسي أحدًا ، لكلٍ منا رزقه ودربه في الحياة بالطريقة التي يريدها الله لنا، ولحكمة يعلمها هو.

أما قطرة الندى فقد امتلأت بهجة وسرُورا من أثر هذه اللحظات، ومن هذه الدروس التي تعلمتها اليوم.

ثم نظرت إلى الرياح التي حملتها إلى البحر، حيث تعانقت مع أشعة الشمس، وصعدت إلي السماء لتنتهي رحلتها اليوم….