حين يتكلم الصمت:
بقلم: سعاد الصادق
(قصة قصيرة)
حين يتكلم الصمت
يولد الأمل من قلب المستحيل
ليست كل الحكايات تُروى بالكلمات، فبعضها يولد في الصمت، ويكبر في أعماق لا نراها. هناك أرواح لا تُجيد التعبير، لكنها تُبدع حين تجد طريقها. وهذه ليست مجرد قصة طفل مختلف… بل حكاية اكتشاف، حين نُدرك أن ما نظنه نقصًا قد يكون وجهًا آخر للتميز.
عندما كانت فاطمة تستعد للذهاب إلى المشغل، رنّ الهاتف فجأة. كان صوت أختها مثقلًا بالتعب، يحمل بين كلماته إرهاقًا وحزنًا دفينًا:
“حبيبتي، أنا اليوم مريضة، ولا أستطيع الذهاب بعمر إلى الطبيب، ولا أملك طاقة للخروج… هذا غير أعمال البيت التي تتراكم عليّ.”
ردّت فاطمة بحنان:
“ألف سلامة عليكِ يا حبيبتي، طيب سأترك العمل اليوم وأمرّ عليكِ.”
لكن أختها قالت بسرعة:
“لا… فقط خذي عمر إلى مركز التخاطب ، موعده بعد الظهر، ولا أريد أن تفوته الجلسة اليوم .”
وافقت فاطمة، لكنها فكّرت قليلًا، ثم قررت أن تأخذه معها إلى المشغل أولًا، حتى يحين موعد الجلسة.
استقلت الحافلة ومعها عمر، ومن حسن الحظ أنها لم تكن مزدحمة. أجلسته بجوار النافذة.
كان عمر طفلًا هادئًا، في الثامنة من عمره، نحيل الجسد، يعاني من تلعثم في الكلام، ومصاب بالتوحد.
جلس صامتًا، لكنه لم يكن خاليًا من الداخل… بل كان عالمه مزدحمًا بما لا يستطيع قوله.
كان ينظر من النافذة، يتتبع الضوء، وحركة الناس، وتداخل الألوان… كأن عينيه ترسمان ما يعجز لسانه عن شرحه.
كانت فاطمة تنظر إليه بين الحين والآخر، وفي قلبها تساؤلات موجعة:
هل يفهم؟ هل يشعر؟ أم أنه يعيش في عالم بعيد لا نصل إليه؟
وصلت إلى المشغل، وبدأت عملها في الخياطة، وأجلسته بجوارها على الكرسي.
تجمع الزملاء حوله بإعجاب، وسألوا عنه، فابتسمت وقالت:
“ابن أختي.”
أحبه الجميع ، وأحضروا له العصير والحلوى.
ثم عاد الجميع إلى العمل، واندمجوا فيه، ولم يُسمع إلا صوت الماكينات المنتظم.
ومع انشغال الجميع… جلس عمر صامتًا لبعض الوقت، يتأمل المكان بعينيه الهادئتين.
ثم بدأ يتحرك ببطء، دون أن يلفت الانتباه.
تجوّل بين الأقمشة، يلمسها برفق، وكأنه يشعر بها لا يراها فقط.
كانت الألوان بالنسبة له ليست مجرد ألوان… بل إحساسًا:
الأصفر دفء، الأخضر طمأنينة، الأحمر حياة، والأبيض سكون.
في لحظة هدوء، اقترب من طاولة عليها تصميمات للملابس.
نظر إليها طويلًا… ثم جلس.
مدّ يده في هدوء، وأمسك ورقة وقلمًا، وبدأ يرسم.
لم يكن يقلد ما يراه فقط… بل كان يُعيد خلقه بطريقته.
نقل الخطوط بدقة، لكنه غيّر الألوان، اختار ألوانًا مشرقة نابضة بالحياة، كأنها تعكس عالمه الداخلي الذي لا يُرى.
كان يرسم… بينما الجميع منشغل، دون أن يشعر به أحد.
حتى دقّت الساعة معلنة انتهاء العمل.
بدأ الجميع يجمعون أغراضهم، وجاء المدير ومعه مصمم الأزياء ليتفقد الإنتاج.
أخذ المصمم يتنقل بين الأعمال، حتى توقّف فجأة.
تجمّد نظره على الرسومات، وقد ارتسمت الدهشة على وجهه.
قال باندهاش:
“من الذي رسم هذه التصاميم؟”
ساد الصمت.
تقدمت فاطمة بخجل، معتذرة:
“آسفة يا فندم… يبدو أن الطفل عبث بالأوراق. وأخذت تشرح لهم عن حالته الصحية في خجل.
لكن المصمم لم ينظر إليها، بل ظل يحدّق في الرسومات، ثم قال:
“أين هو وكان عمر يقف خلف خالته فى صمت؟”
أشارت إليه، فاقترب منه، وجثا على ركبتيه، ونظر إليه طويلًا، ثم قال بهدوء مدهش:
“هل أنت من رسم هذا؟”
لم يجب عمر… لكنه نظر إليه بعينيه اللامعتين.
ابتسم المصمم، وقال:
“هذا الطفل لا يعاني من نقص… بل يمتلك طريقة مختلفة في رؤية العالم.”
ثم التفت إليهم قائلاً:
“لقد نقل التصميم بدقة، لكنه اختار ألوانه الخاصة… ألوان مليئة بالحياة. هذا ليس تقليدًا… هذا إبداع.”
كانت كلماتُه كفيلة بأن تهزّ قلب فاطمة.
لأول مرة… لم يُنظر إلى عمر كعبء، بل كموهبة.
تذكرت نظرات الناس، وعبارات الشفقة التي كانت تسمعها دائمًا…
لكن لم يقل أحد من قبل:
“ربما يكون مختلفًا… لأنه مميز.”
ثم قال المصمم بثقة:
“هذا الطفل سيكون له شأن كبير… وأريد أن أتبناه فنيًا. لديّ مشغل يتدرب فيه طلاب، وسيكون واحدًا منهم.”
امتلأ المكان بالدهشة والفرح.
أما فاطمة، فكانت واقفة لا تصدق ما تسمع.
خرجت تمسك بيد عمر، في طريقها إلى الطبيب… لكن قلبها لم يعد كما كان.
نظرت إليه طويلًا، وكأنها تراه لأول مرة.
“أحقًا ما حدث؟
أهذا الطفل الذي ظنه الجميع عبئًا… يحمل كل هذا الجمال؟”
ثم ابتسمت، وقد أدركت الحقيقة أخيرًا:
أن التوحد ليس غيابًا… بل حضور بطريقة مختلفة.
وأن بعض الأطفال لا يتكلمون كثيرًا… لكنهم حين يُبدعون، يُدهشون العالم.
وأن المشكلة لم تكن فيه يومًا…
بل فينا… لأننا لم نحسن رؤيته…..؟!






المزيد
عوالم تحت سقفٍ واحد
الثقافة بين الفكر الحر وصراع المناصب
صلة بالقرآن يومية