كتبت: فاطمة حجازي
الفصل/الثالث والأخير
الشيطان أمسك بيد ليل ولا يريد تركه ويمنعه من الخروج، وعيسي يده ممدودة لصديقه ويريد إنقاذه.
الشيطان:-
لن أتركك يا ليل، أ دخول النار مثل خروجك منها؟ لن تخرج منها أبدًا؛ ستخلد فيها معنا أنت فرد منا ولن نترك اتباعنا ابداً وامسك به وهو كان يكاد يمد يده لعيسى.
عيسي:-
ليل، ليل ركز معي أنظر إلي أنت الاقوى وإذا كنت قد تبت حقًا الإيمان؛ سيكون في قلبك ترتوي عروقك بإيمانك بالله.
أنت قادر، أنت الأقوى قل” يارب” قل: يارب، أنت الأقوى إيمانك؛ سينجيك مما أنت به أجعل الهدى والنور يذبون في عروقك، وروحك، وجسدك اذكر الله.
انطق باسمه بكل جوارحك وبقلبك قل: يارب، ياليل قل” يارب”.
ليل:-
يارب، يارب.
عيسي:-
لا تقف عافر، ولا تتوقف “يارب” هيا ردد معي” يارب”.
وليل ينطق اسم” الله” بكل عزم وقوة، ويفلت منهم مرة تلو الأخري ويركض بكل قوته وهو يقول “يارب، يارب، يارب”.
والشيطان صرخ بشدة وهو يحاول إسكاته، وعيسى وليل يقولون: يارب، يارب، يالله، يالله، يالله والشيطان يصرخ ويبتعد عن ليل.
وامسك بيد عيسي واحتضنه؛ وثم اغمض عينه بشدة وهو يقول: يارب خذ بيدي، واخرجني مما فيه، ونجني من تلك المحنة والشدة” يارب يارب”.
ودموغه تغرق عينه، وحين فتح عيونه وجد نفسه بالجامع وعيسي يخبط فيه؛ لكي يفيق من غفوته وحين استعاد وعيه وجد آذان الفجر يؤذن” ﷲ أكبر.. ﷲ أكبر.. ﷲ أكبر.. لا إله إلا ﷲ.
ليل:-
يبكي بشدة ويحضن عيسي بشدة، وهو يبكي هل سيتقبلني بعد كل ما فعلت؟ بعد كل تلك الذنوب والمعاصي؟
هل سيتقبل توبتي؟ هل سيغفر لي، ويعفو عني، ويعفو عني بعد كل ما سولت لي نفسي لفعله ذنوبي في الخلوات، والمجاهرة بالمعصية والذنوب؟
عن قلبي الذي كان متحجرًا قاسيًا باردًا أنا قلبي مدنس ومتسخ من كثرة أثامي، أنا عاصي، أنا أثم ويبكي بشدة.
سمعه شيخ الجامع وجاء ناحيته وطبطب عليه وجلس بجواره.
الشيخ:-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كيفك يا رفيقي، مابك؟ ولم تلك الهموم والدموع التي تغرق ثيابك؟
لقد سمعتك تلوم نفسك وتقسي عليها كثيرًا هون على نفسك؛ فهو علينا هين.
ليل:-
يا شيخي همومي وذنوبي هي التي كثرت علي واغرقتني المعاصي، والأثام، والخطايا تحاوطني، واخاف من النار.
فأنا كنت شيطان يسير على الأرض وهل للشيطان توبة ونجاة من النار؟
الشيخ:-
يا عبد لله ربك غفور رحيم، يغفر الذنوب لمن يشاء، ويهدي من يشاء، ويبدل للتائب سيئاته وذنوبه حسنات.
ويرفعه أعلى الدرجات؛ الهداية لك أيها العبد من ﷲ عز وجل وقل: يارب، وأقول لك شيء لقد حلمت ليلة أمس أن رسول ﷲ الكريم ﷺ جاءني.
وقال لي: سيأتي لك ليلاً عند أذن الفجر فأقراء عليه سلامي وقل له: يا ليل أن رسول ﷲ يبشرك بتوبة وبجنة الفردوس الأعلى أنت وعيسى صديقك.
عيسي:-
بكى بالدموع وسجدا شاكرًا للّٰه وكان لسانه عاجزًا عن الحديث.
الشيخ:-
أذهب يا ليل وتوضئ؛ لتصلي معانا الفجر جماعة، سننتظر قدومك لا تتأخر، وخذ ببالك التائب من الذنب.
كمن لا ذنب له إن ربك يحب العبد الأواب الذي هو كثير ما يؤثم؛ ثم يعود إلى ربه تائبًا من ذنوبه، وأنت لست شيطانًا.
بل إنسان خطاء، ضعيف، يستمد قوته من الإيمان الرباني الذي بداخله ومن كان مع ﷲ لا يغرق أبدًا وتلك الدموع التي اغرقتك هي التي أطفأت نارك يا ليل.
ركض ليل لصنبور المياة، وتوضأ وأحسن الوضوء وعاد إلى الجامع مجددًا، واعتذر لعيسى على معاملته السيئة له قبلاً.
وظل يبكي بكاءًا شديدًا في صلاته، وكان يصلي بخشوع؛ لأول مرة بحياته، وهو بين يد ﷲ وبعد الانتهاء من الصلاة.
وعد الشيخ بأنه؛ سيكون شخص آخر، وسيتغير للأفضل وشيخ الجامع جلب له مصلية وسبحة.
الشيخ:-
هذه هي بدايتك يا ليل؛ فأحسن الخاتمة لعلها غدًا، أو بعد الغد، أو بعده، أو الآن؛ فهي في علم ﷲ أجعل جميع اوقات عمرك ختامك.
فأحسن ختامك وأسمع يا بني، كل مالك في الدنيا هو ذكرك ذلك باقي عليك بالباقيات الصالحات.
صلاتك، قراءتك للقرآن، عملك الصالح ذلك هو الذي ينجيك من نفسك، وشيطان نفسك، ومن كل شيء باأراده ربك ﷻ
أهديتك الطريق؛ فأصلح خطاك، واعمل بما هديتك به؛ أنني سببًا لك من عند الله، أتى بك إلى هنا في تلك الساعة.
لكي أقول لك ذلك، فأنتبه لرسائل ﷲ لك ولا تغفل عنها أراك في صلاة الظهر لا تتأخر سأكون في انتظارك وأنت بأول الصفوف.
ليل:-
تنهد بإطمئنان: أعدك لن اتأخر أبداً، ذهب لبيته.
وعيسى ودعه، وذهب لبيته ودخل البيت الذي كان هاجرهم منذ مدة ويعيش لوحده في منزل أخر.
ذهب لبيت أهله وقبل يد أمه وأبيه وظل يترجاهم؛ لكي يسامحوه على ما فعله معهم، وبالفعل قلبهم راق له.
وأحتضنهم بشدة ووعدهم بأنه سيكون ابن بار بهم، وسيمسك عمل والده ويقف معه، ويتغير.
بعد مدة أخذه والده؛ ليتزوج من ابنه الشيخ الذي كان معه في الجامع، وتزوجها ورحب بهم الشيخ بكل صدر رحب ومحبه.
بعد مرور أربع أعوام …
وقف ليل في المسجد يقف مع عيسي ابنه الصغير ويقول له: سأهديك شيئًا غير حياتي كلها، وقد اعطاني إياه جدك رحمه ﷲ.
وأخرج من وراء ظهره المصلية، والمسبحة، والمصحف وقال نفس ذات الكلام الذي قاله له الشيخ من قبل.
وأوصى به أبنه: أنه حين يشعر بأنه وقته قد حان للذهاب يجعله وصية؛ لابنه وأبناءه يصون به أبناءهم.
وهكذا ويورثهم لبعضهم البعض؛ لأن ذلك خير ميراث، ووقف يقم الصلاة ويئم بالناس ويصلي بهم، وهو يصلي وفي أخر سجدة لم يقم برأسه مرة أخرى.
وقابل وجه كريم وأغمض عينه ولم يفتحها مرة أخرى، ورأى الملائكه تدور حوله وسعيدة به، ووجد صديقه عيسي في استقباله.
واخذ يده ويرحب بقدومه، وأنه كان بانتظاره ويلقون السلام والتحيه له، ويبشرونه وقد جاء لابنه في المنام.
وروى له كل ذلك وقال له: إن ﷲ غفور رحيم، وأن قد رحمه الله وهو عنده أكثر مما كان في الدنيا؛ لأن توبته كانت من قلبه.
وأنه قد صبر على فتن الدنيا عصم نفسه بنفسه من العودة عن الطريق الذي سار به؛ وقال لعيسي ابنه: أروي قصتي لكل ما تعرفه من عباد ﷲ.
وليأخذوا منها العبرة والنصيحة، وأن لا يفعلوا مثله ويمشون على نفس الطريق الذي جعله صديقه وشيخه يمشي فيه.
ويدعو له بالرحمة، وأن لا يقطع الدعاء عنه والصدقة، ولا تجعل من نفسك شيطان يحاربك ويمنعك من التقرب لله.
ولا تجعل إيمانك بالله وصلاتك عجوز هزيل الذي لا يقوى على حمايتك وقت شدتك؛ وأتخذ من الدنيا رفيق يقويك.
ويسندك، ويكون صالح ليصلحك حين تفسد، ويأخذ بيدك، ولا تقطع صلة رحمك، وكن بارًا بوالدتك، وتصدق بسر ولا تعلم الناس بتصدقك.
وارسم لنفسك طريق السلامة، واجعل تجارتك مع ﷲ سرًا أجعلها لله ولا تعلم أحداً بسرك؛ واجعل صلاتك، وقرأنك، وذكرك هم أعوانك في طريق حياتك.
هم مصدر قوتك، واستيقظ الابن من نومه والدموع في عينه، وقرر أن يروي للناس ما رواه والده له ويمشي على الطريق الذي أوصاه به والده.
عيسي:-
وهكذا تكون انتهت قصة والدي ليل، وأجل أنا ابنه الذي ذكرته لكم في قصته، وأتمنى أن تتخذوا أنتم أيضًا من قصتي أنا ووالدي العبرة والنصيحة.
وحين كان ذاهب بعد انتهاء المحاضرة ذهب إلى بيته واستقبل زوجته وأمه بترحيب جميل، حمل ليل أبنه على يده وهو يقبل رأس زوجته؛ وقبل قدم أمه، ويدها، ورأسها: أكلتي يا أمي.
والدته:-
كنت في انتظارك يا ولدي.
دخلت الزوجه وهي تضع الطعام على المائدة، وتأكل والدة عيسي في فمها، وتبتسم لها وعيسى يطعمها، ويتحدثون، ويضحكون. وجاء من الباب طه وقال:-
ألم أقل إن حماتي تحبني وجلس؛ ليأكل معهم، وكانوا في سعادة ويضحكون وعيسي قال: من الجيد أنك أتيت.
لنذهب لصلاه العصر سويًا يا صديق عمري، وابتسموا لبعضهم البعض..
……. النهاية……






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق