مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

همسات المساء – الكاتبة مريم جمال

همسات المساء
كتبت: مريم جمال

الليلُ ينثرُ عطره بِرِقّة، كأنه شالٌ من حريرٍ يُلَفّ الكونَ بِدِلال. أجلسُ على حافة النافذة، أتأمّلُ القمرَ وهو يهمسُ بأسرارِه إلى النجوم. كم يشبهُنا، يُظهرُ للناسِ وجهاً مكتملاً، ويخفي في ظلامهِ جراحاً لا تُرى. أنا هنا، بينَ دِفءِ الذكرياتِ وبرودةِ الواقع، كزهرةٍ ترفضُ الذبولَ رغمَ شمسِ الظهيرة.
أتذكّرُ أمي وهي تُربّتُ على كتفيّ كأنها تزرعُ فيّ القوةَ بكل لمسة. “المرأةُ بحرٌ”، كانت تقول، “لا تعرفينَ عمقَكِ حتى تبتليينَ أثناء العواصف”. كم أردتُ أن أكونَ مثلها، قويةً كالجبالِ ورقيقةً كندى الصباح. لكنّ الحياةَ علّمتني أنَّ القوةَ أحياناً تكونُ في أن تبكي في الظلامِ ثم تمسحَ دموعكِ وتُكملين.
وفي زاويةٍ من قلبي، تقفُ تلك الفتاةُ الصغيرةُ التي كانت تحلمُ بأن تكونَ أميرةً أو شاعرة. تذكرتُ كيف كنتُ أخبئُ أحلامي تحت الوسادةِ خوفاً من أن يسرقها أحدٌ أو يضحكُ عليها. كبرتُ، وكبرتْ أحلامي معي، لكنّ بعضها ظلّ طفلاً صغيراً يرفضُ النمو. ربما لأننا أحياناً نحتاجُ أن نحتفظَ بجزءٍ من براءتنا كي لا تقتلنا القسوة.
مرّت سنونٌ وأنا أحاولُ أن أتقنَ دورَ “المرأةِ القوية”، لكنّي في داخلي أعرفُ أنني مجردُ إنسانةٍ تحملُ قلباً من زجاج. كم مرّةً ابتسمتُ وأنا أدمى، وكم مرّةً قلتُ “كل شيءٍ بخير” وأنا أعرفُ أن الدنيا تتساقطُ من حولي. لكنّ هذا هو سرّنا نحن : نلبسُ الحُليَّ والثيابَ الجميلةَ كي يظنّ الجميعُ أننا لا نُجرح، لكننا ننزفُ مثلَ أيّ أحد.
لكنّي تعلمتُ أنَّ في الضعفِ قوةً خفيّة. حين أعترفُ أنني خائفة، حين أطلبُ المساعدةَ بلا خجل، حين أسمحُ لنفسي أن أكونَ هشّةً للحظةٍ… أكونُ في تلك اللحظةِ أكثرَ شجاعةً من كلّ الأيامِ التي تظاهرتُ فيها بالصلابة.
الآن، وأنا أكتبُ هذه الكلمات، أسمعُ صوتَ المطرِ يقرعُ على الزجاج كأنه ينادي عليّ. ربما هو يذكّرني أن كلّ شيءٍ يمرّ، حتى الألم. وأنّ بعد كلّ عاصفةٍ تأتي أشعةُ شمسٍ دافئة. نعم، قد لا أكونُ الأميرةَ التي حلمتُ بها، ولا الشاعرةَ التي تمسكُ القلمَ فتُحيي العالمَ بكلماتها، لكنّي امرأةٌ تكفيني نظرةٌ من عين دافئه، أو كلمةٌ من صديقةٍ وفيّة، لأعرفَ أن الحياةَ تستحقّ أن أعيشَها… كما أنا.
نحنُ… أمواجٌ متلاطمةٌ في بحرٍ واحد. نغرقُ أحياناً، لكننا دائماً نعودُ إلى السطحِ كي نتنفسَ من جديد. فلنعشْ بِقلوبنا، ولنبكِ إذا احتجنا، ولنضحكْ بملءِ أفواهنا، ولنحبَّ كما لو أننا لن نتألمَ أبداً. لأننا… إناثٌ خلَقنا اللهُ من ضلعٍ أعوج، كي نكونَ قادراتٍ على الانحناءِ دون أن ننكسر.