المحرر: التومة بابكر الصديق حمد
في زمنٍ تتكدّس فيه الأصوات وتضيع فيه الحقيقة بين ضجيجٍ وآخر، تولد من بين الحروف امرأة تكتب لا لتُبهر، بل لتُنقذ.
الكاتبة ملاك يحيى عبدالله النجار تسير في دروب الكتابة كمن يعبر بين الضوء والعتمة، تحمل قلمها كنبضٍ يروي الوجع ويُعيد للروح ملامحها الأولى.
في كتابها «مهزلة أن تكون أنت»، لا تكتب عن الآخرين بقدر ما تكتب عن الإنسان في لحظة انكساره، عن هشاشته التي تُنجب صدقه، وعن تلك المعركة الصامتة التي يخوضها كل من يحاول أن يكون نفسه في عالمٍ يطالبه أن يكون شيئًا آخر.
في هذا الحوار، نقترب من صوتها الهادئ العميق، نحاول أن نقرأ الحكاية التي كتبتها الروح بالحبر والوجع، ونسمع همس الأمل بين أنقاض الأسئلة.
متى بدأت الحكاية الأولى بينكِ وبين الحروف، ومتى شعرتِ أن الكتابة لم تعد ترفًا بل نجاة؟
بدأت حكايتي مع الحروف منذ اللحظة التي شعرت فيها أن الكلام لم يعد يكفيني، وأن الصمت يضجّ أكثر مما يُحتمل وجدت في الكتابة متنفّسًا يلتقط ما يتساقط مني من مشاعر وأفكار، فكانت الحروف مأواي الأول، ومخبأي الأخير.
لم أبدأ الكتابة بدافعٍ من حلمٍ أو رغبة في أن أكون كاتبة، بل بدافع البقاء. كنت أكتب لأتوازن، لأتذكّر نفسي وسط الضجيج، ولأحيا حين تختنق الروح بالكتمان وشعرت أنها لم تعد ترفًا في اللحظة التي صارت فيها الورقة مرآتي الصادقة، والحبر صوتي الوحيد حين يخذلني كل شيء منذ ذلك الوقت، صارت الكتابة بالنسبة لي شكلًا من أشكال النجاة ووسيلتي لأن أواصل العيش دون أن أفقد إنسانيتي.
“مهزلة أن تكون أنت” عنوان يحمل في ظله مزيج الضوء والعتمة — حدّثينا عن البذرة الأولى لهذا العمل، كيف وُلد؟ وهل كان وليد لحظة خاطفة أم ثمرة زمنٍ طويل من التأمل والانكسارات؟
“مهزلة أن تكون أنت” لم يولد من فكرة، بل من وجعٍ عميق ظلّ يكبر بصمت حتى تحوّل إلى حروف.
كنت أرى الضحايا حولي لا بالضرورة أولئك الذين يسقطون في الحروب، بل الذين يُقتلون ببطء تحت ثقل التظاهر، والخذلان، والبحث عن ذاتٍ لا يُسمح لها بالوجود،
الكتاب هو صرخة مكتومة خرجت بعد صراع طويل مع النفس، صراع بين ما نحن عليه وما يُراد لنا أن نكونه، لم يكن وليد لحظة خاطفة، بل نتيجة زمنٍ مثقل بالتناقضات والانكسارات، حيث تتعلّم أن النجاة أحيانًا ليست في القوة، بل في الاعتراف بالضعف،
هو عمل وُلد من رحم الخيبة، لكنه لا يكتفي بالبكاء عليها، أردته مرآة يرى فيها القارئ نفسه بلا تزييف، ولو للحظة واحدة، لأننا جميعًا، بطريقةٍ ما، كنّا ضحايا، حتى ونحن نحاول أن نبدو بخير.
حين تمسكين القلم، هل تكتبين لتفرغي ما فيكِ أم لتُصغي لما لم يُقَل؟ هل هي كتابة عنكِ، أم عن تلك الأرواح التي تمرّ فيكِ وتترك أثرها بصمت؟
حين أمسك القلم، لا أكتب لسببٍ واحد أكتب لأُفرغ ما فيّ أولًا، لأخفّف عن قلبي ثقل ما لم يُقال، ولأرتّب فوضاي الداخلية على الورق، لكن في كل نصٍّ أكتبه، ثمة وجوه أخرى تسكن بين السطور وجوه لأرواح مرّت بي، تألمت بصمت، ولم تجد من يعبّر عنها أكتب عنهم كما أكتب عني، لأن الحزن الإنساني متشابه مهما اختلفت التفاصيل، في الحقيقة، الكتابة عندي ليست اعترافًا شخصيًا فقط، بل مشاركة شعورٍ إنساني عام أحيانًا أكتبني في الآخرين، وأحيانًا أكتب الآخرين فيّ. لذلك، كل حرفٍ أنثره هو مزيج من ذاتي ومن العالم الذي أراه محاولة صادقة لفهم الوجع، وترويضه بالكلمات.
الأمل… كلمة تكرّرينها كما لو كانت صلاة، كيف تُعرّفينه أنتِ؟ وما الذي يدفعكِ للتمسك به رغم كل ما يتساقط من حولنا؟
الأمل بالنسبة لي ليس مجرد كلمة أرددها، بل طوق نجاة أتشبّث به كلما ضاقت الحياة، هو ذلك الضوء الخافت الذي يظلّ يلمع في داخلك رغم كل ما ينطفئ من حولك، لم أتعلم الأمل من الكتب، بل من الانكسارات ذاتها، من الأيام التي بدا فيها كل شيء منتهيًا ثم عادت الحياة لتثبت عكس ذلك، أكرّره كما لو كان صلاة، لأنني رأيت ما يفعل غيابه بالروح، أتمسّك به لا لأن الطريق سهل، بل لأنني أدرك أن الاستسلام موت بطيء، وأن التمسك بالأمل، مهما كان هشًا، هو شكلٌ آخر من أشكال الشجاعة.
لغتكِ في الكتاب تحمل وجعًا ناعمًا وصدقًا طريًا… هل تكتبين لتتعافي أم لتُذكّري نفسك بأن الوجع أيضًا يمكن أن يكون جميلاً؟
أكتب لأتعايش، لا لأهرب من الوجع، الكتابة بالنسبة لي ليست طريقًا للتعافي الكامل، بل مساحة أتنفّس فيها ما لا أستطيع قوله بصوتٍ عالٍ، أحيانًا أكتب لأضمّد ما بي، وأحيانًا لأتأمل ندباتي من بعيد، لأتذكّر أن الجرح أيضًا يمكن أن يحمل جماله الخاص، الوجع حين يُكتب، يفقد شيئًا من حدّته، ويتحوّل إلى شكلٍ من أشكال النور الخافت، ربما لهذا تبدو لغتي مائلة إلى الوجع، لكنها وجعٌ ناعم وجعٌ تَعلّم كيف يبتسم دون أن يتناسى الألم.
بين سطور هذا العمل، هناك رسائل خفيّة تشبه الهمس، لو طلبتُ منكِ أن تكشفي واحدة منها، أيّ رسالة اخترتِ أن تهمسي بها للعالم؟
“مهزلة أن تكون أنت” كتاب عن كل واحدٍ منا ضحية بطريقة أو بأخرى: ضحايا الحب، الغربة، الخذلان، نفوسنا، وصمتنا… لكنه أيضًا رسالة أمل، حتى وسط الألم والظلال، هناك ضوء صغير يمكن أن نحمله معنا، ونستمر رغم كل شيء.
رسالتي الخفيّة هي أن الإنسانية لا تُقاس بالثبات، بل بالقدرة على الشعور رغم الانكسار، أردت أن أهمس لكل من يقرأني: لا بأس أن تتعب، لا بأس أن تبكي، لا بأس أن تكون هشًّا… فالهشاشة أحيانًا شكل من أشكال الصدق.
هل ثمّة نص أو فصل شعرتِ بأنه خرج منكِ مختلفًا، كأنه كُتب بيدٍ لا تشبهكِ، لكنه يشبه قلبكِ كثيرًا؟
غريب بين الوجوه
أجلس وسط الضحكات، لكني أبقى صامتًا.
أستمع إلى أصواتهم وكأنها تأتي من عالم آخر،
كأن بيني وبينهم جدارًا زجاجيًا، أراهم من خلاله لكن لا أصل إليهم.
الغربة ليست أن تكون بعيدًا عن وطنك، بل أن تكون بعيدًا عن نفسك،
أن تبحث عن ملامحك في المرايا فلا تراها،
أن تبحث عن صوتك في داخلك فتسمع صدى غريبًا لا يشبهك.
كم هو مؤلم أن تكون محاطًا بالناس،
لكن قلبك يئن وحيدًا،
وأن تشعر أنك غريب حتى وأنت جالس في بيتك،
كأنك ضيف في حياتك، لا مالك لها.
رسالة أمل:
الغربة ليست نهاية الطريق، بل بداية رحلة جديدة.
قد تشعر أنك بلا مكان بينهم، لكن الله يفتح لك أبوابًا لأماكن وأرواح تشبهك أكثر مما تتصور.
لا تبحث عن انتماءك في الخارج فقط، بل ازرعه في داخلك.
حين تكون صادقًا مع نفسك، ستجذب من يفهمك،
وحين تكون قويًا من الداخل، ستجد أن الغربة تتحول إلى جسر يعيدك إلى ذاتك، لا سجن يحاصرك.
في لحظة البوح الأولى، حين تُقرّرين أن ما كان سركِ سيُصبح كتابًا بين الأيدي، كيف واجهتِ ذلك؟ أكان خوفًا أم تحررًا؟
في لحظة البوح الأولى، شعرت بمزيجٍ من الخوف والتحرر في الوقت ذاته،
خوف من أن يُحكم على وجعي، أو يُساء فهم صمتي الطويل، وخوف من أن تصبح أحزاني مكشوفة أمام العالم بلا حماية، لكن مع ذلك، كان هناك شعورٌ أعمق بالتحرر؛ التحرر من صمتٍ طال أمده، ومن أسرٍ داخلي كنت أحمله وحدي.
حين قررت أن أفتح باب الحروف على مصراعيه، أدركت أن الكتابة ليست مجرد نقلٍ لما في القلب، بل هي أيضًا دعوة للآخرين لرؤية أنفسهم في تلك السطور، وللعثور على بصيص الأمل وسط كل ما يشبه الانكسار.
عندما يُغلق القارئ آخر صفحة من كتابك، ما الأثر الذي تتمنين أن يبقى عالقًا في صدره؟
أتمنى أن يبقى في صدر القارئ إحساسٌ بالوجود، بأن كل وجع مكتوب هو أيضًا جزء من حياته، قد تكون ابتسامة صغيرة، أو حنين لما مضى، أو حتى رغبة صادقة في أن يكتب هو أيضًا ليُخرج ما في قلبه من صمتٍ وألم، أريد أن يغادر القارئ الكتاب وهو يشعر أنه لم يكن وحده في معاناته، وأن الكلمات مهما كانت بسيطة قادرة على تحويل الانكسار إلى ضوء خافت يرافقه.
الكتابة اليوم، بعد هذا الإصدار، هل ما زالت لكِ ملاذًا هادئًا كما كانت، أم تحوّلت إلى مسؤولية تُطالِبكِ بالاستمرار؟
الكتابة ما زالت ملاذي الهادئ، لكنها أصبحت أيضًا مسؤولية أتحملها بعزم وصدق، لم تعد مجرد منفذ لأفرغ فيه ما يثقل قلبي، بل صارت وعدًا لكل من قرأني، بأنني سأستمر في رسم الكلمات التي تمنحهم شعورًا بأنهم ليسوا وحدهم.
كل حرف أكتبه اليوم هو مزيج من الحرية والواجب؛ حرية أن أكون صادقة مع نفسي، وواجب أن أترك أثرًا، مهما كان صغيرًا، في قلوب الآخرين.
إن خُيّرتِ أن تُهدي هذا الكتاب لروحٍ واحدة فقط، من تكون تلك الروح؟ وماذا تقولين لها؟
لو خُيّرت أن أهدي هذا الكتاب لروحٍ واحدة، لأهديته لذاتي، لتلك التي صبرت كثيرًا، وكتبت رغم التعب، وظلّت تبحث عن الضوء حتى وهي محاطة بالعتمة.
وبعد هذا كله، ماذا تقول ملاك يحيى النجار لنفسها حين تنظر إلى كتابها وقد صار كائنًا يمشي بين القلوب؟
أقول لنفسي: لقد فعلتِها يا ملاك، كتبتِ وجعكِ بصدق حتى صار حياةً في قلوب الآخرين.
هذا الكتاب ليس حبرًا على ورق، بل جزء منكِ خرج إلى العالم يحمل ملامحك، يتنفس باسمك، ويهمس بما عجزتِ عن قوله بصوتٍ مسموع.
وأخيرًا، كيف ترين مجلة إيفرست الأدبية ودور نبض القمة في احتضان المبدعين وإبراز أصواتهم في المشهد الأدبي العربي؟
مجلة إيفرست الأدبية هي مساحة راقية تمنح للكلمة قيمتها وللإبداع موطئ ضوء.
أما نبض القمة فهو القلب الذي يحتضن المبدعين بحب، ويمنحهم فرصة أن تُسمَع أصواتهم في المشهد الأدبي العربي.
وجودهما معًا هو تأكيد أن الأدب ما زال بخير، وأن الكلمة الصادقة لا تموت ما دام هناك من يؤمن بها.
في ختام هذا الحوار، يبدو واضحًا أن ملاك يحيى عبدالله النجار لا تكتب لتملأ الورق، بل لتملأ الفراغ الإنساني بالكلمة.
في «مهزلة أن تكون أنت» منحتنا مرآة نرى فيها وجوهنا الحقيقية، تلك التي نحاول إخفاءها عن العالم، لكنها تظلّ تبحث عن ضوءٍ يُشبهها.
كتبت ملاك عن الخيبة كما يكتب العارف عن الإيمان، وعن الأمل كما يكتب العائد من الرماد، فجعلت من وجعها موسيقى هادئة تسكن القلب بدل أن تؤلمه.
وحين نغلق صفحات الحوار، ندرك أن الكتابة بالنسبة لها ليست فعلًا أدبيًا فقط، بل نجاةً مستمرة، وشهادة حيّة على أن الحبر أحيانًا أصدق من الصوت.






المزيد
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب
في هذا الحوار، لا نتوقف عند حدود العمل الأدبي بوصفه منتجًا إبداعيًا فحسب، بل ننفذ إلى ما وراءه؛ إلى الأسئلة التي تسبق الكتابة، والقلق الذي يصاحب الوعي، والتجربة التي تصوغ الكاتب قبل أن يصوغ هو نصه. نحاور الكاتب ورئيس تحرير مجلة إيفرست الأدبية كيرُلس ثروت، في محاولة للاقتراب من رؤيته الفلسفية للأدب، ولمفهومه عن المسؤولية الإبداعية، ودور المجلات الثقافية، والكتابة بوصفها ممارسة وعي لا فعل ترف.