المحرر: التومة بابكر الصديق حمد
في عالم يختلط فيه الواقع بالخيال، يقف الكاتب الشاب سيف الإسلام هليل كحارس على أبواب العوالم المظلمة والفانتازية، حيث تختلط الأشباح بالذكريات، ويصبح الرعب مرآةً للنفس البشرية. منذ الصغر، التقط القلم كمن يلتقط عصا سحرية، ليخلق عوالمه الخاصة التي تنبض بالألم، بالمغامرة، وبالجمال الغريب. في هذا الحوار، نغوص مع الكاتب داخل أفكاره وتجربته، لنعرف كيف ينسج الغموض والخيال إلى كلمات تجعل القارئ يتوه بين الحقيقة والأسطورة.
عندما يكتب المرء عن الفانتازيا والرعب، فإنه يطلّ على العوالم التي يخشاها الآخرون… متى أدركت أن الكتابة لك ليست مجرد خيال، بل وسيلة لاكتشاف المجهول فيك أنت؟
منذ صغري، كنت أحب أن أكتب، حتى في تمارين الإنشاء في مادة اللغة العربية أتذكر أن المعلمة تخبرنا بأن الحد الأقصى للأسطر هو عشرون سطرا، ولكن أنا كنت أطلق العنان لخيالي لأنتهي بكتابة ثلاث صفحات خارجة عن الموضوع ومع ذلك، كانت تشجعني، ولما بدأت أكبر أكثر أدركت أن هذه الصفحات التي أكتب لم تكن مجرد حبر على ورق، بل أفكار، مبادئ، مشاعر، أدركت أن ما أكتبه كان تأثيرا علي وعلى من حولي سواء من أصدقاء أو عائلة، كانوا دائما يقولون لي أن خيالي واسع، لذا اخترت هذه المجالات لأنني أحبها ولأنني أستطيع أن أضع فيها مبادئي وأفكاري ومشاعري دون التعرض للنقد والكره، على عكس الكتاب الذين يكتبون في مجال السياسة والفلسفة مثلا، ومجال الرعب والجريمة بالضبط أحبهما أكثر من أي مجال، وأبدع فيهما.
البدايات دائمًا تحمل دهشة الطفولة، تلك الدهشة التي جعلتك تمسك القلم في العاشرة… ما الصورة الأولى التي ما زالت عالقة في ذهنك من تلك اللحظة التي قررت فيها أن تُكتب لا أن تُقرأ فقط؟
عندما قررت أن أبدأ الكتابة حقا، بداية كتابة رواية أفكر في نشرها بجدية، كنت خائفا، مذعورا، متوترا، فرحا، الكثير من المشاعر كانت تتصارع بداخلي، أتذكر أن والدي بالضبط كان ينبذ مجالات الرعب والفانتازيا ويقول لي أن من يقرأها يضيع وقته بدل قراءة كتب مفيدة، وأن من يكتب في تلك المجالات ينتهي به الأمر مجنونا لذا عندما بدأت الكتابة، كنت خائفا من إخبار أحد، أخبرت صديقة لي من المدرسة وشجعتني لأخبر أستاذة العربية خاصتي التي شجعتني كثيرا ولها فضل كبير في نجاحي، ولما أنهيت كتابة الرواية، كنت أعلم أنني لن أجرأ على نشرها دون موافقة والدي، لذا، قررت أخبره بالأمر، توقعت أن يصرخ أو أن يرفض، ولكن لحسن حظي، أو لنقل لحسن تخطيطي فقد قررت إخباره في اليوم الذي كانت فيه قناة تلفزيونية يتابعها تعرض معرض الكتاب حيث ظهر الكثير من كتاب الفانتازيا والرعب، واستطعت إقناعه بأنني لن أجن إن كتبت في هذا المجال وحمدا لله مع أن ردة فعله لم تكن فرحا، إلا أنه لم تكن غضبا كذلك، ولكن مع مرور الوقت بدأ يقتنع بفكرتي وصار يسألني عن أحوال الرواية والنشر وهل أفكر في نشر رواية أخرى… وكان هذا دعما كبيرا لي.
الرعب في كتاباتك، هل هو رعبٌ خارجي نُسقطه على الأشباح والظلال، أم رعبٌ داخلي ينبع من الإنسان نفسه؟ أيّهما أخطر في رأيك: ما يختبئ في الظلمة، أم ما يسكن أرواحنا؟
أتعلم ما هو الرعب الحقيقي بالنسبة للإنسان؟ أ هو الخوف من الجن أو الشياطين مثلا؟ الإجابة هي لا، لأنك تستطيع توقع تصرفاتهم، الخوف من حيوان مفترس مثلا؟ لا أيضا، فتستطيع توقع تصرفه كذلك، الخوف الحقيقي هو الخوف من المجهول الذي لا تستطيع توقعه، الخوف مما لا تعرفه، الخوف الذي يسكن أرواحنا وينموا بداخلنا إما أن نتغلب عليه وندفنه داخلنا أو أن نستسلم له لينهشنا من الداخل، وفي كتاباتي، الرعب هو المجهول، من يدق بابك بعد منتصف الليل هو مجهول، وهو ما يرعبك، أي شيء تجهله مرعب، وهذا الرعب داخلي، ينبع منك.
في عوالم الفانتازيا هناك دومًا صراع بين النور والعتمة، بين الأسطورة والحقيقة… أين تقف أنت في هذا الصراع؟ أتميل إلى الكتابة التي تُنقذ، أم التي تُثير الفوضى الجميلة في ذهن القارئ؟
في كتاباتي، أعطي الأمان للقارئ بنهاية سعيدة وجميلة، الجميع أحياء، سعداء، لا ينقصهم شيء… أجعله يسعد بتلك النهاية، أعطيه الأمان لأباغته بعدها بنهاية فضيعة، أراقبه يتألم ويناظرني بحقد وغل بعد أن غدرته.
لكل كاتب طقوسه السرّية… ما الطقس الذي لا يبدأ معه قلمك بالكتابة إلا إذا حضر؟ هل تكتب في الصمت، أم في ضجيج العالم؟
في الحقيقة، أنا لا أتبع طقسا محددا كمثلا الكتابة فقط في الليل أو فقط في الصمت… أنا أكتب عندما تبدأ أفكاري بنهش مخي، أكتب لأسكتها، أكتب همساتها على تلك الورقة وأنتظرها أن تبدأ من جديد.
الفانتازيا تمنحنا القدرة على تحدي قوانين الطبيعة… لو استطعت خلق قانون جديد للعالم، ما سيكون؟ وكيف سيؤثر على البشر والكائنات الأخرى؟
لم أكتب في الفانتازيا عبثا، بل لأنني أستطيع خلق قوانين وعالم خاص بي أتحكم فيه لا يتبع لقوانين الواقع، قانون أنا أكتبه وأحدده ليتبعه الآخرون، قانون عادل، العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم، من قتل يقتل، من سرق يُسْلَبُ ما لديه، من ضرب يُضرب وهكذا، ليكون الجميع عادلا، وأيضا، من خلال الفانتازيا أستطيع تمرير أفكاري ومبادئي دون إحداث ضرر بالآخرين أو التعرض للمحاسبة وترك الحرية للقارئ إما باتباعها أو بتركها.
إذا استطعت أن تنتقل جسديًا إلى أحد عوالمك لليلة واحدة، أيّ عالم تختار؟ وما الشيء الأول الذي ستفعله هناك؟
كل عوالم روايتي حزينة كئيبة، لذا على الأغلب أي عالم دخلته سأموت فيه قبل نهاية الليلة، ولكن إن أتيحت لي الفرصة سأختار عالم العنكبوت لأنه أقرب عالم لقلبي وأصعب عالم كتبته فقد استنزفني نفسيا بسبب أن الكثير مما فيه من تجارب شخصية لي ولأشخاص أعرفهم، وعلى ما أعتقد أول ما سأفعله سأنتقم من كل من آذاني ولم أستطع أخذ حقي منه في الواقع إلا بوضع نهاية تعيسة له في روايتي.
إذا جاءك قارئٌ من عالم العنكبوت وقال لك: «خذ حقي وعِدني بأنك لن تسمح للعالم أن يسقط مجددًا»، فكيف تردّ عليه؟ وهل تجرؤ على تغيير نهايةٍ كتبتها لأن قارئًا طلب ذلك؟
بكل بساطة، ردي سيكون: «لك القلم، غير ما تريد». وبالفعل قد تركت الخاتمة للقارئ ليكتبها، كتبت خاتمتي وتركت له ليكتب خاتمته، ليفعل ما يريد، ليعد إحيائهم ويجعل لهم نهاية سعيدة.. أو ليعدبهم أكثر ويجعل لهم نهاية أتعس.
لو كان بإمكانك أن تترك أثرًا واحدًا من كتاباتك في ذهن القارئ، شعورًا أو فكرةً، فما هو ذلك الأثر الذي ترغب أن يبقى حيًا بعد أن تُطوى الصفحات؟
إن اقتنع بأي فكرة من تلك الأفكار وكانت بالنسبة له صحيحة، فأتمنى أن تبقى راسخة في ذهنه ويطبقها في حياته اليومية.
تحذير: ما بين القوسين يتضمن حرقًا لرواية العنكبوت!!
(سواء فكرة نبذ الظلم الذي كان سبب ظهور العنكبوت وسعيها للإنتقام، أو التنمر الذي كان سبب انتحار الفتاة الصغيرة…).
وأخيرًا، كيف ترى مجلة إيفرست الأدبية ودور نبض القمة في احتضان المبدعين وإبراز أصواتهم في المشهد الأدبي العربي؟
أود أولا أن أشكرهم على استضافتي في هذا الحوار الذي أنا متأكد أنه سيساعد القراء على التعرف علي أكثر، ثانيا، في رأيي إن لهم دورا كبيرا في إيصال كلمات الكاتب التي لم يَخُطَّها على الورق إلى القارئ ليتعرف عليه أكثر.
حين نغلق صفحات هذا الحوار، يبقى شعور غريب معلّقًا بين الكلمات: مزيج من رهبة المجهول، ودفء الحرية في خلق العوالم، ورغبة خفية في العدالة، ولو من خلال الحبر. سيف الإسلام هليل لم يترك لنا مجرد إجابات، بل نافذة صغيرة إلى قلب الكاتب، حيث تختبئ الفانتازيا، وتزدهر الأساطير، ويستمر القارئ في البحث عن أثره الخاص في عالم لا يعرف حدودًا للخيال.






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب