حوار: الإعلامية سبأ الجاسم الحوري
بين جبال الخليل الشامخة، تضيء الكاتبة الفلسطينية ملاك عاطف شمعة الإبداع الأدبي، بنور موهبتها التي تتجاوز الحدود. في عالم الأدب، تظل ملاك رمزًا للشباب الطامح، تحفر بأقلامها قصصًا مليئة بالشغف والتحدي. ولأن الأدب مرآة الروح، فإنها تجمع بين الكلمة والتجربة، لتروي حكايات تنبض بالحياة والإنسانية. ومن هنا، أخذت مكانها في مجلة “إيفرست” الأدبية التي تمثل لها منصة لتسليط الضوء على طموحاتها وأفكارها. في هذا الحوار، نقترب من مسيرة ملاك، نتعرف على رحلتها الأدبية، ونتلمس الصعوبات التي واجهتها والنصائح التي توجهها لجيل الشباب.
⚜️بدايةً، كم عمرك حاليًا؟ وكيف ترين تأثير هذا العمر على تجربتك الكتابية؟
أنا الآن في ضِيافةِ ربيعي الثالثِ والعشرين، تأثيرُ هذا العامِ كانَ كبيرًا وإيجابيًا جدًا؛ لأننا في حرب، ولأننا كبرنا سنينًا لا أشهر، ولأنا نضجنا قبلَ أوانِنا بل على عجلٍ حتى كدنا نحترق، ولأنَ الضربةَ التي توجع دونَ أن تقتل تقوينا؛ فقد صارَ عقلي في منزِلةٍ أعلى مِنَ الوَعي، وارتقى إدراكي إلى حيثُ الرفعة والسعة، وقادَني إلى التفرج أو إلى الفراغ؛ فآثرتُ الفَراغَ وعبدتُهُ بسطوري، قررتُ أن أكتبَ بملءِ كلماتِ الكونِ عن كُلِ شيء؛ لأكونَ صوتَ الحق وبوصلته، لتكونَ عباراتي درعَ الطفولة المسلوبة المقهورة، لتكونَ نصوصي مرآةً شفافةً تعكِسُ كل ما لم يُرَ، تعكسه مجردًا مِن أي تزويرٍ، أو ظلمٍ، أو انحياز.
⚜️هل شاركتِ في مسابقات أدبية من قبل؟ وإن كان كذلك، هل حصلتِ على مراكز مميزة؟
نعم، شاركتُ في مُسابقاتٍ عدة، بعضُها إلكتروني وبعضُها في الجامعة ونلتُ في إحداها المركز الأول في أفضلِ نصٍ عن غزة.
⚜️ماذا تدرسين حاليًا؟ وهل تعتقدين أن مجال دراستك له تأثير على كتاباتك الأدبية؟
تخرجتُ في شهر يونيو من عام 2023 من جامعة الخليل-كلية الآداب، وحصلتُ على درجة البكالريوس في تخصص اللغة الإنجليزية وآدابها-فرع ترجمة، تخصصي فتح أمامي أبوابَ الأدبِ؛ لأعْبُرَ مِنْها إلى آفاقِ اللغةِ والفكرِ الشاسعة، وأستقي مِنها لقَلَمي ما يُنيرُ بهِ صفحاتي، ولخيالي ما يطيبُ لهُ من صورَ جمالية مشرقة. خلالَ سنواتِ الدراسة الأربع، قرأنا قصصًا ومسرحياتٍ ورواياتٍ حصدناها من حقول الأدب المتناثرة؛ فحللناها باستفاضةٍ، وناقشناها بشراهة، ثم عرجتُ إلى مساق الترجمة الأدبية الذي منح موهبتي فرصةً؛ لتطفوَ على وتحلقَ في أعلى سماءِ المُحاضراتِ على أجنِمةِ دعم د. رائد وثنائه، وأخيرًا حطت ملكَتي رحالها في مساقِ استخدامِ الأدب في تدريس اللغة، وههُنا كان الدكتور حازم بدر مشكورًا يتطلعُ إلى قدراتي، ويوجهُ شغفَ كُلِّ الطلابِ ويسبقهم بشغفهِ إلى سماعِ نصٍ مِن نثري في ختامِ كل محاضرةٍ؛ لتُحالَ إلى مسكٍ يطيِّبُ المنهجَ الذي نتناوله، وهكذا مسحتُ غبارَ التكاسُلِ عن رغبَتي في أن أُصبِحَ كاتبة، ونهضتُ؛ كي أصعدَ قِمّةَ الأدبِ من جديد.
⚜️كيف تجمعين بين الدراسة والكتابة؟ وهل هناك تحديات تواجهكِ في ذلك؟
في الحقيقة، لم أكُنْ منكبةً على الكتابةِ فترةَ دراسَتي كما أنا الآن، كنتُ أعكِفُ على الكتابةِ في مذكرتي، وأحيانًا أُشارِكُ نصوصي القصيرة مع صديقاتي وأُسرَتي، وكانَتِ الترجمةُ ومعها الأدب تُسيِّرُ شؤونَ قلمي آنَ ذاك.
⚜️ما هو رأيك في مجلة “إيفرست” الأدبية؟ وكيف وجدتِ تجربتكِ معها؟
لم يمضِ على انضِمامي لعائِلةِ المجلةِ الدافئةِ أكثرَ من ثلاثةِ أسابيع، لكني لمستُ صدقَ النية في الارتقاء بنا نحنُ الكتاب، وشعرتُ أنني أضفتُ إلى خبرَتي خبراتٍ مِن خلالِ غيثِ نصائح أ. قمر الخطيب والتي مدت نقاء روحها وخيرَ إنسانيتها الوفير قبلَ أن تمد يدَ العون؛ فاحتوت أسئِلتي، ومن قبلِ حديثي معها علقت سنارةُ أسئلتي الكثيرةُ المتتالِيةُ في بحرِ صبرِ حور الجميلة، هذا بالإضافةِ إلى إدماني على مطالعةِ نصوصِ الآخَرين بحب، ورغبَتي في مصادقةِ بعض الكاتبات، والتعلم منهن ومعهن، ثُمَّ خوضِ حربٍ أدبّيةٍ شريفة في المستقبل القريب.
⚜️أثناء تحريركِ لمقالاتك أو مشاركاتك في المجلة، هل واجهتِ صعوبات؟ وما هي؟
في البدايةِ كنتُ خجلةً بعض الشيء، وشعرتُ أني لا أفهمُ نظامَ المجلة تمامًا، وكنتُ كثيرةَ الأسئلةِ وكثيرةَ الاعتذارِ عليها أيضًا، ثُمَّ تملكني شعورٌ عارمٌ خانقٌ بالرغبةِ في تركِ الكتابة؛ لأني ببساطة لن أتمكن من اختيار صور لنصوصي؛ بسبب إعاقتي البصرية، وقد أُثقل على حور إذا تركتُ لها المهمةَ يوميًا، ثُمَّ سرعانَ ما ضمت حور ضعفي هذا إلى صدرِ عطائِها، وكذلكَ أ. قمر التي شجعتني بأُسلوبِها الللطيف الراقي على مصارحتِها في الأمر.
⚜️من هو الكاتب أو الكتابة التي تلهمكِ في مسيرتك الأدبية؟
كاتبَتي المفضلة هي الدكتورة التونسية خولة حمدي؛ لأنَ أعمالَها كانت أولَ ما قرأت. لا أُفضِّلُ أدبًا على آخر؛ كي أنهلَ من كل بحرٍ قطرةً، وأبلُغَ نقطةَ الاستفادةِ القصوى في مسيرتي الكتابيّة، أمّا عن ملهِمَتي حاليًا؛ فهي أ. قمر من جديد؛ فروايتها *هارموني* ذكرتني بل شرحت لي بالتطبيقِ العمليِّ كيفَ أتحدى وكيفَ أدوسُ الصعوباتِ وأسحقُها بأقدامِ قدرَتي؛ كي أصل!
⚜️هل هناك موقف شخصي في حياتكِ أثّر بشكل كبير على كتاباتكِ؟ وكيف انعكس ذلك في أعمالك؟
أنا لم أكن أكتبُ بالأصل، لكن غيرتي َ الإيجابيّةَ دفعتني لأحذوَ حذوَ بطلةِ مسلسل الكرتون الكاتبة *إيميلي فتاة الرياح*، وحينَ رأت أُمّي لمعةَ الكتابةِ في قلبي، جمعت أوراقي المكتوبةَ بطريقة *برايل* وكتبت عليها بالمُبصر*بالحبرِ*؛ كي يقرأَها المبصرونَ أيضًا، فأثارَتْ بفعلِها العظيمِ مكنوناتي، وحرّكَتِ الّدافِعَ وأشعلَتْ فتيلَ الاستمرارية.
⚜️كيف تصفين تجربتكِ ككاتبة فلسطينية في وسط الظروف الاجتماعية والسياسية؟ وهل أثرت هذه الظروف على مواضيعكِ الأدبية؟
أنا أرى تجرِبَتي هذهِ هديّةً سماويّةً، وفرصةً ماسِيّةً قدمها لي القدرُ على طبقٍ من شرفِ الوطن، أمّا عن تأثير الظروفِ، فيمكنني القول إنّي أتبنى بل أعتَنِقُ الحِيادِّيةَ وأكتُبُ؛ لأجلِ الكل الفلسطينيِّ، وأحِّبُ أن أكونَ سباقةً إلى التعبيرِ إذا انتفضت مدينةٌ، أو اشتعلَ زِقاقٌ، أو توجعَ جريحٌ، أو سقط شهيد؛ ذلكَ لأنّي أُريدُ أن يكونَ حرفي إعلامًا يسلطُ الضوءَ على كلِ ما يحدث، خصوصًا تِلكَ القَصَصِ المنسية التي لم تجد لها متسعًا أمامَ عدساتِ الكاميرا، وتلك التي اصطدمت ببحةِ المايكروفونِ قبلَ أن تُروى!
⚜️ما هي الصعوبات التي واجهتكِ خلال مسيرتكِ الأدبية حتى الآن؟ وكيف تغلبتِ عليها؟
تمثلت الصعوبات في اعتِمادي على الأجهزةِ الإلكترونية الخاصة بالمكفوفين، والتي لا تغني عن القلم والورقة؛ إذ كانت تتعطلُ في كثيرٍ من الأحيان، وتدعُني أبكي على كلِماتٍ ذهبت ولن تعود، وكانَتْ تترُكُني رهْنَ الاعتِقال في سجونِ الانتظارِ إلى كلما نفدت طاقةُ بطارياتها إلى أن تشحنَ من جديد.
⚜️برأيكِ، ما هي أهم المميزات التي يجب أن تتوفر في الكاتب الناجح؟
تقبل النقد، والخيال الواسع الخصب، والقدرة على تقمص الشخصيات والأفكار أيضًا، والمهارة العالية في السرد، والذكاء الحسي الذي يمكنه من أسر القلوب وإنارة العقول.
⚜️هل تجدين أن الجمهور يتفاعل مع أعمالكِ كما كنتِ تتوقعين؟ وما هي أكثر تعليقات القراء التي تأثرتِ بها؟
التفاعلُ قد زادَ مؤخرًا، وكلُ مشاعرِ القراءِ وأحاسيسهم صفقت لي ورفعت القبعةَ حينَ أخذتُ الخطوةَ وبدأتُ الكتابة في المجلة، أمّا عني؛ فممتنةٌ بحجمِ السماءِ لكلِ من قدرني وأثنى على سطوري بكلماتِهِ اللطيفةِ الصادِقة، وهنا أخصُّ عائِلَتي، وصديقاتي، ودكتوري الفاضل مدرس مساق الترجمة الأدبية.
⚜️ما هو طموحك الأدبي في المستقبل؟ هل تطمحين لنشر كتاب أو عمل أدبي جديد قريبًا؟
أطمحُ إلى أن أجعلَ من حرفي سِلاحًا أُدافِعُ بهِ عن فلسطين، وروحًا أُخرى أفتَديها بِها معَ روحي، أُريدُ أن تُعلقَ رسالاتي السامية ثرياتٍ في عقولِ القراءِ تسمو معهم وبهم فكريًا ولغويًا وأدبيًا، وأرجو أن يستَجيبَ اللهُ لدعواتٍ وأمانٍ مخبّأةً في طياتِ البذلِ والسعي.
⚜️ما هي رسالتكِ المستقبلية للشباب الطموح الذين يرغبون في دخول عالم الكتابة؟
لا أحدَ مِنا وُلِدَ وفي فمهِ ملعقةٌ مِن أدب، ولا أحدَ رضعَ لُغةً وفكرًا صافيًا ليكتبه، حتى درويش كواليسُهُ تواري إخفاقاتٍ ورفض، اكتُب كثيرًا والزم الكِتابةَ حتى تصيرَ لكَ عادة، واقرأ أكثرَ، اقرأ لدرجةٍ تجعلُكَ تستَعيضُ بالقراءةِ عن وجباتِ طعامك، الطريقُ وعرٌ طويل؛ فتحلَّ بالصبرِ والمُثابرة، واسألِ اللهَ التوفيقَ وقبلَهُ ابقَ تحتَ أقدامِ والِدَيْكَ؛ فهُناكَ فردَوْسُ الأرض، وهُناكَ شجرةُ الاستِجابةِ والنجاح.

⚜️أخيرًا، ما هي النصيحة الذهبية التي تقدمينها لكل شخص يسعى لتحقيق أحلامه في الكتابة؟
أنصحهُ بالتِهامِ أكبر قدرٍ ممكنٍ من الكتب، وباتخاذِ المصداقيةِ والشفافيةِ صديقين حميمين في رحلته.






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب