بقلم: يحيى القطب (كاتب وباحث)
في العقود الماضية كان الإنسان يستطيع أن يعيش جانبًا كبيرًا من حياته دون حضور رقمي حقيقي، أما اليوم فقد أصبحت التطبيقات الذكية جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية: المواصلات، والعمل، والتعليم، والتجارة، والتواصل، والخدمات البنكية، وحتى العلاقات الاجتماعية. ومع هذا التوسع الهائل برز سؤال مصيري لا يمكن تجاهله: هل يُعقل أن تبقى الهوية الرقمية مجهولة في عصر تتحكم فيه التطبيقات بحركة الناس وأموالهم وبياناتهم؟
إن التحقق من الهوية لم يعد ترفًا تقنيًا، بل ضرورة أمنية وأخلاقية واجتماعية. فكما لا يستطيع الإنسان قيادة سيارة أو فتح حساب بنكي أو استئجار منزل دون إثبات شخصيته في العالم الواقعي، فمن المنطقي أن تسير التطبيقات الكبرى في الاتجاه ذاته داخل العالم الرقمي، خصوصًا مع تصاعد الجرائم الإلكترونية، والاحتيال، والتزييف، واستغلال القُصَّر، وانتشار الحسابات الوهمية التي تُستخدم أحيانًا لنشر الفوضى أو الابتزاز أو التحريض أو الاحتيال المالي.
المقصود بإثبات الهوية هنا ليس أن تصبح بيانات الناس مكشوفة للعامة، وإنما أن تكون الشركة أو المنصة قادرة على معرفة الشخص الحقيقي الذي يقف خلف الحساب عند الضرورة القانونية أو الأمنية. ويمكن تحقيق ذلك بوسائل متعددة مثل ربط الحساب بالهوية الوطنية، أو التحقق البيومتري، أو التحقق عبر الجهات الرسمية، مع المحافظة على خصوصية المستخدم أمام بقية الناس.
ومن أهم الجوانب التي ينبغي الانتباه لها قضية القُصَّر. فالأطفال والمراهقون أصبحوا يدخلون التطبيقات والمنصات في سن مبكرة جدًا، وبعضهم يتعرض للاستغلال أو الابتزاز أو التضليل دون أي حماية حقيقية. ولهذا تبدو فكرة “الضامن” أو “الولي الرقمي” فكرة منطقية تستحق الدراسة والتطبيق.
وتقوم هذه الفكرة على أن أي حساب لقاصر يجب أن يكون مرتبطًا بولي أمر أو ضامن بالغ موثَّق الهوية، يتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية جزئية عن استخدام الحساب. وبهذا يصبح من الممكن:
حماية القاصر من المحتوى الخطير.
تقليل حالات الاستغلال والتحرش الإلكتروني.
ضبط عمليات الشراء والاشتراكات.
التدخل السريع عند وجود خطر أو تهديد.
غرس مفهوم المسؤولية الرقمية منذ الصغر.
كما يمكن منح القُصَّر صلاحيات محددة تناسب أعمارهم، بحيث تختلف طبيعة الحسابات بين طفل صغير ومراهق أكبر سنًا، بدل أن يُترك الجميع داخل فضاء مفتوح بلا ضوابط.
ومن أبرز الأمثلة التي توضّح أهمية التحقق من الهوية ما يحدث في تطبيقات النقل الذكي. ففي أغلب هذه التطبيقات تكون بيانات السائق موثقة بالكامل؛ فالشركة تعرف اسمه الحقيقي، ورقم هويته، ورخصته، وسيارته، وأحيانًا سجله الأمني. وذلك لأن السائق قد يقترف جريمة أو يتسبب في حادث أو اعتداء، وبالتالي لا بد من القدرة على تعقبه ومحاسبته.
لكن المشكلة أن الراكب أحيانًا لا يكون موثقًا بالدرجة نفسها، رغم أنه قد يشكل خطرًا هو الآخر. فقد يعتدي على السائق، أو يسرق السيارة، أو يختطف السائق، أو يستخدم الحساب في أنشطة إجرامية. وهنا تظهر الفجوة الأمنية بوضوح: لماذا يُطلب من طرف أن يكون مكشوف الهوية بالكامل، بينما يبقى الطرف الآخر شبه مجهول؟
إن التوازن العادل يقتضي أن يكون كل مستخدم معروفًا للمنصة بدرجة مناسبة، خصوصًا في التطبيقات التي تربط الغرباء مباشرة ببعضهم البعض. فالتكنولوجيا الحديثة لم تعد مجرد أدوات ترفيه، بل أصبحت بنية تحتية للحياة اليومية، وأي خلل أمني فيها قد يؤدي إلى كوارث حقيقية.
ولا يعني هذا أن يتحول العالم إلى منظومة مراقبة خانقة أو أن تُنتهك خصوصيات الناس، بل المطلوب هو بناء نموذج متوازن يجمع بين الحرية والمسؤولية. فالإنسان يمكن أن يبقى مجهولًا أمام عامة المستخدمين، لكنه معروف للمنصة والجهات القانونية عند الحاجة. وهذا يشبه ما يحدث في البنوك وشركات الاتصالات والخدمات الحكومية.
ومع التقدم المتسارع في الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والحسابات الآلية، ستصبح الحاجة إلى إثبات الهوية أكثر إلحاحًا في المستقبل. فالعالم يدخل مرحلة لم يعد فيها السؤال: “هل نحتاج إلى هوية رقمية موثقة؟” بل أصبح السؤال الحقيقي: “كيف نطبّقها بطريقة عادلة وآمنة تحفظ كرامة الإنسان وخصوصيته؟”
إن بناء فضاء رقمي أكثر أمانًا لن يتحقق بالشعارات وحدها، بل بإيجاد أنظمة تحقق مسؤولة، تحمي الناس، وتحد من الجريمة، وتمنح الثقة للتعاملات الرقمية، دون أن تسلب الإنسان حريته أو تحوله إلى رقم خاضع للمراقبة المطلقة.






المزيد
الهوية: هل نحن حقاً نحن أم مجرد صدى لما مرّ بنا؟
كوادر جديدة.. من أجل اتحاد أقوى يخدم الناشرين.
حينَ يُظْلِمُ الأفقُ: قراءةٌ في النَّفسِ التي تميلُ إلى اليأسِ، وسبيلُ العودةِ إلى النُّور