بقلم: ليمار وليد
من أكثر الأوهام التي عاش الإنسان مطمئناً إليها، اعتقاده أنه يعرف نفسه؛ يردد دائماً: “هذا أنا”، وكأن الذات شيء ثابت يمكن الإمساك به. لكن، هل نحن فعلاً ذوات مستقلة؟ أم أننا مجرد تراكمات صنعتها الظروف، والمواقف، والخسارات، والخوف، والأشياء التي عبرت بنا ثم بقي أثرها فينا؟
براءة البدايات ومفارقة النسخ
حين يولد الطفل، يكون كائناً خالياً من التعقيد؛ لا يحمل رأياً، ولا خوفاً، ولا قسوة، ولا دفاعات نفسية. يعبّر عن ذاته كما هي. في تلك المرحلة، يبدو الإنسان أقرب ما يكون إلى حقيقته الأولى.
لكن المفارقة الفلسفية تبدأ هنا:
إن كانت تلك البراءة هي حقيقتنا، فلماذا نفقدها؟
وإن فقدناها، فأيُّ النسختين هي “نحن”؟ الأولى التي وُلدت بلا أثر؟ أم الحالية التي صنعتها الحياة؟
ربما الإنسان لا يتغير، بل يُدفن تدريجياً تحت طبقات من التجارب؛ فكل خيبة تُضيف خوفاً، وكل خذلان يصنع حذراً، وكل قسوة تُنشئ جداراً داخلياً، حتى يصبح ما نسميه “شخصية” ليس إلا نظاماً دفاعياً طويلاً ضد العالم:
فالشخص الصامت، هل هو هادئ فعلاً؟ أم أن الحياة علّمته أن الكلام لا يُسمع؟ والإنسان القاسي، هل هو شرير بطبعه؟ أم أنه صار كذلك لأن اللين لم يحمِه يوماً؟
وهم الاختيار وجوع الجروح القديمة
هنا تبدأ الحيرة: إذا كانت تصرفاتنا ناتجة عن ظروف مررنا بها، فإلى أي مدى نحن أحرار؟ هل نختار شخصياتنا أم أن الحياة تختارها عنا؟
ربما كثير مما نسميه “قراراً” ليس قراراً، بل استجابة قديمة لجرح لم نلاحظه:
قد يبتعد الإنسان عن الآخرين ويسمي ذلك استقلالاً، بينما هو في الحقيقة خوف قديم من الفقد.
قد يبالغ في الحب ويسميه وفاءً، بينما هو جوع عاطفي خلفته طفولة ناقصة.
الموت والولادة النفسية المتكررة
لكن السؤال الأكثر إرباكاً: هل توجد “أنا” أصلية أصلاً؟ أم أن الهوية مجرد وهم صنعناه لنشعر بالثبات وسط التغير؟
إن دققنا، سنجد أن الإنسان لا يبقى كما هو ولو ليوم واحد؛ أفكاره تتبدل، قناعاته تتكسر، وحتى ذاكرته تعيد تشكيل الماضي بطريقة مختلفة. ربما نحن لا نعيش بهوية واحدة، بل نموت ونولد نفسياً عشرات المرات داخل الجسد نفسه. الشخص الذي كان يضحك قبل خمس سنوات قد لا يشبه من يبكي اليوم، ومع ذلك، نسميهم جميعاً “أنا”. فهل الهوية استمرارية؟ أم مجرد اسم نطلقه على سلسلة من النسخ المتغيرة؟
والأشد قسوة أن الإنسان لا يستطيع العودة لما كان عليه؛ لأن التجربة لا تمر ثم ترحل، بل تترك جزءاً منها داخلنا، ومع الوقت، قد يصبح الإنسان غريباً حتى عن نفسه.
خلاصة:
ربما السؤال ليس: هل نحن نحن؟ بل السؤال المرعب هو: إذا جرّدنا الإنسان من خوفه، وذكرياته، وآلامه، وتجاربِه… هل سيبقى هناك “هو” أصلاً؟ أم أننا لسنا سوى ندوبٍ تعلّمت كيف تتحدث؟






المزيد
معضلة الهوية المجهولة: هل حان وقت التحقق الرقمي الإلزامي؟
كوادر جديدة.. من أجل اتحاد أقوى يخدم الناشرين.
حينَ يُظْلِمُ الأفقُ: قراءةٌ في النَّفسِ التي تميلُ إلى اليأسِ، وسبيلُ العودةِ إلى النُّور