مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كيف دمرنا مفهوم “الرجل الحقيقي”؟

كيف دمرنا مفهوم “الرجل الحقيقي”؟

بقلم: المهيري بنعيسى

دعني أسألك سؤالاً صريحاً: من هو “الرجل الحقيقي” في مجتمعنا؟ هل هو الذي لا يبكي أبداً؟ الذي لا يشكو من تعب ولا ألم ولا حزن؟ الذي يتحمل كل شيء بمفرده، ولا يسأل أحداً المساعدة، ولا يظهر الضعف ولو مرة واحدة؟ هل الرجل الحقيقي هو من يغضب بسرعة، ويرفع صوته ليثبت حضوره، ويتحكم في كل من حوله لأنه “القائد” الوحيد؟ أتركك تفكر قليلاً، لأن الذي سأقوله بعد قليل قد يزعجك، لكنه الحقيقة التي يعرفها كل معالج نفسي يلتقي برجال يموتون بصمت.

الحقيقة الصادمة أن مفهوم “الرجل الحقيقي” الذي نشأنا عليه في المجتمعات العربية هو أقصر طريق لتدمير الرجل نفسياً. نعم، تدمير. لأننا علمنا الرجل منذ طفولته أن البكاء عيب، وأن الخوف ضعف، وأن طلب المساعدة “نقص رجولة”، وأن التعبير عن المشاعر يخص النساء فقط. ونتيجة لذلك، يكبر الرجل وهو يحمل كل أحزانه وهمومه وخوفه في صدره، لا يفرغها أبداً، حتى ينفجر على شكل غضب عارم، أو مرض نفسي مزمن، أو اعتزال الناس، أو أزمة قلبية في سن مبكرة.

دعني أخبرك شيئاً يراه الأطباء والمعالجون كل يوم: الرجال يمرضون أكثر من النساء بالأمراض الجسدية المرتبطة بالضغط النفسي. يعانون من ارتفاع الضغط، والسكري، والقرحة، وأمراض القلب، ليس لأن أجسادهم أضعف، بل لأنهم لا يتحدثون. المرأة حين تحزن تبكي وتتكلم وتفضفض، فترتاح أعصابها. أما الرجل فيقول: “أنا رجال، ما في هم”. لكن الهم يأكله من الداخل. الضغط النفسي ليس رجلاً ولا امرأة، الضغط النفسي يقتل الجميع، لكن الرجل يموت بصمت لأنه لا يريد أن يبدو “غير حقيقي”.

القرآن الكريم والسيرة النبوية يقدمان لنا نموذجاً آخر تماماً عن الرجل الحقيقي. هل تعلم أن النبي ﷺ بكى؟ بكى على موت ابنه إبراهيم، بكى على موت صحابته في غزة أحد، بكى حين مرض أسامة بن زيد، بكى في صلاة الليل خوفاً من الله ورحمةً بأمته. هل كان النبي ﷺ أقل رجولة لأنه بكى؟ بالعكس، كان أشجع الناس وأقواهم، وكان أيضاً أبكى الناس وأرحمهم. الرجل الحقيقي في الإسلام ليس من يخفي مشاعره، بل من يتحكم فيها ويوجهها في المكان الصحيح.

والقرآن يخبرنا عن نبي الله يعقوب عليه السلام: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. يعقوب بكى على يوسف حتى فقد بصره. أكان يعقوب أقل رجولة؟ هو نبي الله. لكن مجتمعنا يخبر الرجل اليوم أن يمسح دمعة عينه قبل أن يراها أحد، وإلا أصبح “ضعيفاً”. هذا الكلام ليس ديناً، وليس رجولة، هذا مرض ثقافي دمر أجيالاً من الرجال.

لنتحدث عن أثر هذا المفهوم الخاطئ على النساء أيضاً. الرجل الذي يظن أن الرجولة تعني السيطرة والقسوة، يصبح زوجاً متسلطاً، وأباً قاسياً، وأخاً لا يُستشار. تظن بعض النساء أن هذا هو “الرجل القوي”، لكن الحقيقة أن القوة ليست في العضلات أو الغضب، القوة في الأمان الذي تمنحه لمن حولك. الرجل الحقيقي هو الذي تشعر زوجته معه بالأمان، فيحكى له ألمها دون خوف، والذي يشعر أبناؤه معه بالراحة فيطلبون نصيحته دون تردد. أما الرجل الذي يخاف منه الجميع، ليس قوياً، هو ضعيف جداً لكنه يخفي ضعفه خلف قناع الغضب.

الرسول ﷺ قال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». أقوى رجل على الإطلاق هو من يملك غضبه، وليس من يطلق العنان له. الغضب ليس رجولة، الغضب هو فقدان السيطرة. والرجل الحقيقي هو من يبقى مسيطراً على نفسه في أصعب اللحظات.

لقد خلق هذا المفهوم الخاطئ جيلاً من الرجال لا يستطيعون أن يكونوا آباء حقيقيين. كثير من الآباء لا يعرفون كيف يحتضنون أبناءهم، كيف يقولون لهم “أحبك”، كيف يجلسون معهم ويستمعون إليهم. لأنهم تربوا على أن “الحب الحقيقي” صامت، و”الرجل الحقيقي” لا يعبر عن مشاعره. والنتيجة: أبناء يكبرون وهم جائعون عاطفياً، ليس لأن آباءهم لا يحبونهم، بل لأن آباءهم تعلموا أن الحب لا يقال.

أما النبي ﷺ فكان عكس ذلك تماماً. كان يلاطم الحسن والحسين، ويقبلهما، ويحملهما على ظهره. قال له الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم. فقال النبي ﷺ: «أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة». الرجل الحقيقي رحيم، يحب، يقول أحبك، يحتضن، يبكي حين يحن، ويشكو إلى الله حين يتعب.

إذن، كيف نصلح هذا؟ كيف نحرر الرجال من هذا القنص الذي حبسناهم فيه؟ الحل يبدأ من الأبوة. ربِّ ابنك على أن البكاء ليس عيباً، على أن طلب المساعدة قوة وليس ضعفاً، على أن الرجل الذي يعتني بنفسه وبنفسيته هو رجل حقيقي. ثم يأتي دور المجتمع: توقفوا عن قول “الرجال ما يبكوش” لأطفالكم. توقفوا عن السخرية من رجل يطلب المساعدة النفسية. توقفوا عن اعتبار أن الغضب هو اللغة الوحيدة المسموحة للرجل.

العلاج النفسي ليس للنساء فقط، والاكتئاب ليس مرضاً نسائياً، والقلق لا يفرق بين رجل وامرأة. الرجال يمرضون نفسياً أكثر مما نتصور، لكنهم لا يتحدثون، ونحن لا نسألهم. والنتيجة النهائية: إما انفجار أو انهيار أو انتحار. نعم، الانتحار بين الرجال في ارتفاع مخيف حول العالم، وأسبابه الأولى هي الوحدة النفسية وعدم القدرة على التحدث.

دورنا كمجتمع، كآباء، كأمهات، كزوجات، كأصدقاء، أن نخلق مساحة آمنة للرجل ليكون إنساناً قبل أن يكون ذكراً. أن نحتضنه حين يضعف، أن نستمع إليه حين يتحدث، أن لا ننتقده حين يبكي، أن نعلم أبناءنا أن الرجولة ليست قسوة، وأن القوة ليست عنفاً، وأن الحنان ليس نقصاً.

النبي ﷺ قال: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم». لم يقل خياركم أشداؤكم، ولا أقوياؤكم، ولا من لا يبكي أبداً. قال أحسنهم خلقاً. والأخلاق الحسنة تشمل اللين، والرحمة، والتواضع، والبكاء من خشية الله، والتعبير عن الحب. هذا هو الرجل الحقيقي. وكل ما عداه هو وهم صنعناه بأيدينا ثم عذبنا به أنفسنا.

أخي الرجل، أنت لست أقل رجولة لأنك تعبت، لست أقل رجولة لأنك بكيت، لست أقل رجولة لأنك احتجت من يسندك. أنت إنسان قبل كل شيء. والإنسان خلق ضعيفاً، كما قال القرآن: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾. ليس الرجل أو المرأة، الإنسان. كلنا ضعفاء. والقوة الحقيقية هي أن تعترف بضعفك، ثم تتجه إلى الله وإلى من يحبك لتقوى.

واهدأ، فالله معك. والنبي ﷺ كان معك أيضاً، وكان إنساناً يفرح ويحزن ويبكي ويحب ويكره ويكتم ويعلن. فكن مثله، تكن رجلاً حقيقياً.

المهيري بنعيسى