مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حينَ يُظْلِمُ الأفقُ: قراءةٌ في النَّفسِ التي تميلُ إلى اليأسِ، وسبيلُ العودةِ إلى النُّور

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري

ليسَ من طباعِ الإنسانِ أن يختارَ الفناءَ وهوَ راضٍ، إنَّما يفعلُ ذلكَ تحتَ ضغطٍ نفسيٍّ؛ فإذا بلغَ بهِ الألمُ النَّفسيُّ غايةً لا يستطيعُ السَّيطرةَ عليها، يضيقُ صدرُهُ، وينقطعُ الأملُ عندَهُ في الفرجِ، فلا يرى أمامَهُ باباً سوى أن يُنهيَ حياتَهُ بنفسِهِ.

في هذا المقالِ نقفُ مع تلكَ الحالِ فهماً لها، وبياناً لما يُعينُ على تجاوزِها.

أولاً: الحالُ النَّفسيَّةُ التي تسبقُ القرارَ

إنَّ العقلَ إذا أُرهِقَ بما فاقَ طاقتَهُ، اشتغلَ بمنطقٍ غيرِ منطقِهِ المعتادِ، واستحوذتْ عليهِ أفكارٌ يظهرُ من خلالها في صورٍ ثلاثٍ:

 ضيقُ الأفقِ الفكريِّ: يحصرُ المرءُ نظرَهُ في المشكلةِ وحدها، فتنطفئُ ذاكرتُهُ عن كلِّ ذكرى طيِّبةٍ، ويُنكرُ وجودَ الحلِّ، كأنَّهُ ينظرُ إلى الدُّنيا من خلالِ ثقبٍ ضيِّقٍ. فيظنُّ أنَّ الحالَ أبديَّةٌ، وهوَ وهمٌ يولِّدُهُ التَّعبُ لا الحقيقةُ.

 شعورُ الثِّقلِ على الآخرين: تلقي النَّفسُ على صاحبِها وسواساً بأنَّهُ عبءٌ، وأنَّ فراقَهُ راحةٌ لمن حولَهُ، وهيَ فكرةٌ زائفةٌ يثبِّتُها اليأسُ؛ فكم من أهلٍ وأصدقاءٍ لم يعلموا بحالِ صاحبِهم إلَّا بعدَ فواتِ الأوانِ، فندموا ندماً لا يُجدي.

 الخواءُ العاطفيُّ (الخَدَر النفسي): يبلغُ الألمُ ببعضِ النَّاسِ مبلغاً فيسكنُ، فلا حزنٌ يُبكى، ولا فرحٌ يُرتجى، بل يدخلُ في حالةِ خدرٍ نفسيٍّ باردٍ، يفصلُ الإنسانَ عن نفسِهِ وعن الحياةِ.

لماذا يبدو الانتحارُ حلاً؟

إنَّ النَّفسَ في تلكَ اللَّحظةِ لا تطلبُ الموتَ لذاتِهِ، وإنَّما تطلبُ انقطاعَ الألمِ. فتُخطئُ في القياسِ وتظنُّ أنَّ زوالَ الشَّخصِ يلزمُ منهُ زوالُ الألمِ. والحقيقةُ أنَّ الألمَ يزولُ بمعالجتِهِ، لا بزوالِ صاحبِهِ.

ثانياً: خطة الإنقاذ والعودة إلى الاتزان

1. تأجيلُ القرارِ (وقفةُ مُحاسبةٍ)

تأجيلُ القرارِ لو ليومٍ واحدٍ ليسَ هروباً، بل هوَ إعطاءُ النَّفسِ فرصةً لتسمعَ صوتَ العقلِ. أعطِ نفسَكَ مهلةَ أربعٍ وعشرينَ ساعةً، واجلسْ مع نفسِكَ مُحادثاً:

أليسَ هناكَ ربٌّ خلقَنا فسوَّانا؟ أليسَ هناكَ دعاءٌ يُرفَعُ وملجأٌ لا يُخيِّبُ من لجأَ إليهِ؟ استعذْ بالله، وابسطْ يديكَ وقلْ: “يا ربِّ، ضاقتْ عليَّ الأرضُ بما رحُبَتْ، فلا ملجأَ ولا منجا منكَ إلَّا إليكَ”.

2. تذكُّر حقيقة الدنيا

الحياة ليستْ بستاناً ورديّاً دائمَ الخُضرةِ، وإنَّما هيَ خليطٌ بينَ الحزنِ والفرحِ. سيأتي يومٌ يُبدل الله فيه أحزانك أفراحاً، ووقتها ستعرفُ قدرَ النِّعمةِ. قالَ تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾؛ فالوعدُ مكرَّرٌ، والفرجُ مقترنٌ بالشِّدَّةِ.

3. الصلاة والقرآن كعلاج نفسي

إذا اشتدَّ بكَ الكربُ، فعدْ إلى ما جعلَهُ اللهُ سكناً للقلوبِ:

 الصلاة: صلةٌ تقطعُك عن همِّ الدُّنيا لحظاتٍ، وتُعيدُكَ إلى أصلِكَ.

 القرآن: شفاءٌ لما في الصُّدورِ؛ اقرأْ ولو آياتٍ قليلةً بصوتٍ مسموعٍ، لتغسلَ ما علقَ بالنَّفسِ من ظلمةٍ، وتخرجَ من دائرةِ الأفكارِ المغلقةِ.

4. التَّعلُّقُ بالأسبابِ الطبية والاجتماعية

لا تقفْ عندَ الدُّعاءِ وحدَهُ؛ بل اطلبْ العونَ من أهلِ الخبرةِ. حدِّثْ قريباً تثقُ بهِ، أو طبيباً نفسيّاً؛ فإنَّ الكلامَ يُخفِّفُ، والمشاركةَ تُقسِّمُ الثِّقلَ، والعلاجَ يُعيدُ للعقلِ اتِّزانَهُ. وأبعِدْ عن نفسِكَ في تلكَ السَّاعةِ كلَّ ما قد يكونُ سبباً للأذى وسلِّمْهُ لمن تثقُ بهِ.

خاتمة: النَّفسُ أمانةٌ

إنَّ نفسَكَ ليستْ ملكَكَ وحدَكَ، بل هيَ أمانةٌ استودعَكَ اللهُ إيَّاها. فاصبرْ هذهِ السَّاعةَ، وارجُ رحمةَ اللهِ؛ وستأتي لحظةٌ تنظرُ فيها إلى الوراءِ وتقولُ: “الحمدُ للهِ أنَّني انتظرتُ”.