مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

هدوء المكان وهدوء البال: لماذا نخاف من السكون؟

بقلم: داليا فرج الطواب

في زحام الأيام، والضجيج الذي يملأ الشوارع، وأصوات الشاشات والهواتف التي لا تتوقف، نجد أنفسنا قد اعتدنا الصخب. لقد تحول هذا الصخب بمرور الوقت إلى ما يشبه المخدّر الذي يمنعنا من التفكير في أنفسنا، أو مواجهة المشاعر والأفكار التي نتهرب منها.

والغريب في الأمر، أننا بمجرد أن ننتقل إلى مكان هادئ، بعيداً عن زحام المدن، ونبقى في بيوتنا وسط السكون، نشعر بقلق مفاجئ! هذا السكون الذي كان يُفترض أن يمنحنا الراحة ينقلب فجأة إلى توتر، ونشعر بأننا لا نطيق البقاء فيه.

الحقيقة أننا لا نكون خائفين من هدوء المكان، بل نكون خائفين من أنفسنا؛ لأن في هذا السكون تظهر فجأة كل الأصوات، والأسئلة، والملفات المؤجلة التي هربنا منها طوال اليوم، ونجد أنفسنا مجبرين على مواجهة حقيقتنا دون تجميل.

أولاً: السكون كفرصة للتصالح الذاتي

لكن هذا الهدوء ليس فراغاً مخيفاً، بل هو على العكس تماماً؛ فرصة ذهبية لكي نستعيد سلامنا النفسي الذي ضاع في الزحام. في هذا السكون، نبدأ في ملاحظة تفاصيل بسيطة وجميلة لم يكن لدينا وقت لرؤيتها:

 نستمتع بمنظر الشروق الخصيب.

 نسمع صوت الهواء المار بين النوافذ.

 نركز في كوب القهوة وهو يُصنع بهدوء شديد.

إن الإنسان الذي يستطيع الجلوس في بيته، في هدوء تام، دون أن يشعر بنقص أو رغبة قهرية في ملء الفراغ بأي ضوضاء حوله، هو إنسان بدأ يتصالح مع نفسه بصدق. السكون هنا ليس عزلة ولا وحشة، بل هو مساحة أمان نرتب فيها “كركبة” عقولنا، وننظف فيها أرواحنا من طاقة القلق والضغط التي نواجهها في الخارج طوال الوقت.

ثانياً: جودة الإنصات والارتقاء بالعلاقات

هذا الهدوء يغير أيضاً طريقتنا في التعامل مع من نحب؛ فالزحام والضجيج يجعلنا نتحدث بسرعة ودون تركيز، أما عندما نعيش في مكان راقٍ وهادئ، فإننا نتعلم كيف ننصت بصدق، وكيف نفهم الشخص الذي أمامنا حتى دون أن يتكلم كثيراً.

نكتشف أن القوة الحقيقية لا تكمن في الصوت العالي ولا في لفت الانتباه، بل تكمن في ذلك السلام الداخلي الذي يظهر بوضوح في هدوء ملامحنا وتصرفاتنا. نحن لسنا بحاجة للعيش في ضوضاء مستمرة لنشعر بوجودنا، بل نحن بحاجة للفصل والهدوء لنتمكن من العودة لمواصلة حياتنا بتركيز ونفس راضية.

خلاصة:

في النهاية، إن أجمل هدية يمكن أن تقدمها لنفسك في رحلتك لفهم ذاتك، هي ألا تخاف من السكون، بل اجعله صديقاً لك. درب قلبك على الاستمتاع باللحظات الهادئة، واعتبر هدوء بيتك فرصة لبناء راحتك النفسية من جديد.

الأماكن الهادئة لن تمنحك راحة البال؛ هي فقط توفر لك المساحة المناسبة، وأنت من تملؤها بطاقتك وتصالحك مع نفسك. فكلما هدأ الضجيج الذي في الخارج، خمدت العواصف التي في الداخل، وبدأنا نشعر بالرضا والسلام في كل لحظة نعيشها.