كتبت أمينه خليل:
قد يكره الإنسان مدينةً كاملة، لا لأن شوارعها ضاقت، ولا لأن سماءها أقل صفاءً، ولا لأن ضجيجها يتعب الروح؛ بل لأن قلبه انكسر يومًا في أحد أحيائها، فامتدّ أثر الكسر على خارطة المكان كلّها، حتى صارت المدينة بأكملها صورةً مكبّرة لوجعٍ واحدٍ لم يلتئم.
نحن لا نكره الأماكن بذاتها؛ فالأماكن بريئة من عواطفنا الثقيلة، لكن ذاكرتنا تُحمّلها ما لا طاقة لها به. حين ينكسر القلب في موقعٍ محدد، ينسحب الشعور بالخسارة على الرصيف المجاور، والمقهى القريب، والنافذة المطلة على الشارع، فتتحوّل التفاصيل اليومية إلى شواهد على الهزيمة الشخصية. كأن المدينة بأكملها اشتركت في مؤامرة الألم، بينما الحقيقة أنها لم تكن سوى مسرحٍ صامتٍ لسقوط إنسانٍ كان يثق أكثر مما ينبغي.
يمشي المرء بعد ذلك في مدينته كالغريب؛ لا يشعر بالانتماء، ولا يجد الألفة التي كانت تربطه بالمكان. الأرصفة تعيد إليه ارتجافة الوداع، والمصابيح تذكّره بالانتظار الطويل بلا نتيجة، والأغاني العابرة من السيارات توقظ قصصًا كان يفضّل أن تظل نائمة. لا يرى الأبنية كما هي، بل كما كانت شاهدةً على ضعفه، فيخلط بين الحجر والوجع، ويظن أن المدينة هي مصدر الألم، بينما الجرح يسكن في داخله وحده.
وبمرور الوقت، يبدأ الإنسان في معاقبة المكان بدل مواجهة الذكريات. يردّد أن المدينة لم تعد تشبهه، وأن الهواء اختنق، وأن الطرق لم تعد تقوده إلى ذاته كما اعتاد. يسهل أن نكره مكانًا على أن نعترف بأننا تغيّرنا فيه، وأننا فقدنا فيه نسختنا القديمة؛ تلك التي كانت تثق بكرم المشاعر، وتصدّق الوعود دون حساب، وتحب بوهم الديمومة.
وحين يرحل الإنسان عن المدينة، يكتشف أن المسافة لا توازي شيئًا أمام قوة الذكرى. فالمدن لا تُغادَر بالقاطرات والطائرات، بل تبقى قابضة على القلوب كندبةٍ لا يزيلها تبديل الجغرافيا. يمكن للمرء أن يستقر في مكانٍ جديد، وأن يصنع صداقات جديدة، وأن يبدأ حكايات أخرى، لكن المدينة التي شهدت انكساره تظل حيّة في داخله؛ تزوره فجأة عبر رائحة القهوة، أو نظرة عابرة، أو شرفةٍ تشبه شرفةً بعيدة.
وفي لحظة صدقٍ قاسية، يدرك الإنسان أنه لم يكن يكره المدينة حقًا، بل كان يكره الشخص الذي كانه فيها؛ ذلك الذي أحب أكثر مما يجب، واطمأن قبل أن يتأكد، وسلّم قلبه لمن لم يُحسن الاحتفاظ به. فالمدينة لم تخنه، ولم تكسره، بل كشفت هشاشته، وعرّت حاجته المبالغ فيها للأمان.
ليست كل المدن جميلة، وليست كل المدن قاسية. القسوة، في الغالب، تسكن في التجارب التي نعبرها هناك، وفي القلوب التي نضع ثقتنا فيها ثم تتركنا نتعلّم الألم وحدنا. تصبح المدينة مجرّد رمز لكل خسارةٍ لم نستطع مواجهتها مباشرة، فنختصر وجعنا في كراهية المكان بدل مواجهة الحقيقة الأصعب: أننا لم نخسر المدينة، بل خسرنا أنفسنا كما كنّا فيها.
ولهذا، تبقى بعض المدن محفورة في الذاكرة؛ لا لأنها احتضنت أجمل أيامنا، بل لأنها شهدت اللحظة التي تغيّرنا فيها إلى الأبد، اللحظة التي خرجنا منها بأجسادٍ تمشي في الطرقات، وقلوبٍ لم تعد تعرف تمامًا أين تركت نصفها المكسور.






المزيد
موقف الأدب في المجتمع الإسلامي
حب يزهر دائمًا
سعادة تنبع داخلي