مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ليلة بلا نجوم – الجزء الثالث

كتب عبد الرحمن شعبان سعد:

 

جلس سليم على الأرض، قلبه يخفق بسرعة، والظل في المرآة يقترب أكثر فأكثر، وكأن البيت كله أصبح مجرد مسرح له وحده. كل صوت وكل خفقة قلب كانت تعكس الرعب الذي يسيطر عليه، وكل خطوة يشعر بها وكأنها تقوده إلى المجهول.

الهواء أصبح بارداً بشكل لا يُحتمل، وكأن الغرفة فقدت دفء الحياة، وكأن الجدران نفسها تتنفس ببطء، تراقبه، تحاصره. تذكر حديث جده عن الليالي الخالية من النجوم، وفجأة أدرك أن ما يراه ليس مجرد خيال أو وهم.

حاول سليم أن يتحرك ببطء، متجهاً نحو الباب، لكن الظل لم يبق في المرآة فقط، بل بدأ يظهر في الزوايا المظلمة للغرفة، يزداد وضوحه شيئًا فشيئًا، كأن شيء آخر يستعيد قوته مع مرور الوقت. ارتجف من شدة الخوف، وتراجع إلى زاوية صغيرة، محاولًا أن يختفي، لكنه شعر أن ما يراه ليس النهاية، وأن الرعب الحقيقي لم يبدأ بعد.

صرخة عالية اخترقت صمت الغرفة، صوته هو؟ أم شيء آخر؟ لم يستطع التفريق. ظل يقترب منه أكثر، وهمسات تتخلل عقله:

— أنت لم تعد وحدك… — كل خطوة تخطوها مراقبة… كل نفس تنفسه مسموع…

أغمض سليم عينيه مستسلمًا لليأس، وفجأة شعر ببرودة شديدة تجتاح جسده كله، وكأنها تصل إلى أعماق قلبه وروحه. ثم صمت… مطلق…

عندما فتح عينيه، لم يعد هناك ظل، ولا أصوات، ولا خطوات. البيت هادئ، لكن الهدوء هذه المرة كان مختلفًا، ثقيلًا، كأن شيئًا لم يُحل بعد، وكأن الليل لم ينته بعد.

خرج من الغرفة ببطء، كل خطوة يشعر بها كأنها تقوده إلى تجربة جديدة. لاحظ أن كل شيء حوله قد تغير: الأصوات صارت أخف، الهواء أصبح أقل برودة، لكن شعور الخطر لم يغب تمامًا.

تقدم نحو النافذة، ينظر إلى السماء. لم يجد نجومًا، لم يجد قمرًا، لكن شيئًا ما في الأفق جعله يشعر بأن الليل سيظل يلاحقه. ومع كل نفس، شعر أن الرعب أصبح جزءًا من ذاكرته، وأنه سيبقى حاضرًا حتى لو غابت الظلال.

جلس على الأريكة، يحاول أن يفكر بعقل هادئ، لكن كل فكرة كانت تتشابك مع الصور المخيفة التي رآها، مع الصوت الذي لا يُنسى، ومع الظل الذي ما زال في عقله يلاحقه في كل زاوية. حاول أن يتذكر نفسه قبل تلك الليلة، قبل أن تبدأ النجوم بالاختفاء، قبل أن يشعر بأن العالم كله يتحرك بطريقة غريبة، وكأن الظلام هو الذي يسيطر على كل شيء.

مرت ساعات طويلة، وكل دقيقة شعرت وكأنها يوم كامل. حاول النوم، لكن كلما أغلق عينيه، ظهرت له صور من تلك اللحظات، الظل، الهمسات، الصرخة، والأقدام المبتلة على أرض البيت. فهم أنه لم ينجُ حقًا، بل أنه نجا جسديًا فقط، أما روحه، فستظل جزءًا من تلك الليلة، ولن يغادرها أبدًا.

وفي النهاية، وقف عند الباب ينظر إلى الخارج، شعر بقوة خفية تمر عبر المكان، وكأن شيئًا ما يراقبه، لكنه هذه المرة لم يشعر بالخوف، بل بالإدراك. فهم أن الليل، والظلام، والبيت، كلهم أصبحوا جزءًا من حياته، وأن ما حدث لن يُنسى أبدًا، وأن النجوم ستظل غائبة، لكن النور الحقيقي بداخله لم يختفِ.

 

❓ سؤال للمتابعين: هل تعتقدون أن سليم نجا فعلاً من الظل؟ أم أن شيئًا ما لا يزال يلاحقه في الظلام؟