كتبت منال ربيعي
. لم تكن متاهة المينوتور سوى آخر محطات التيه التي عرفتني… فأنا بنت التيه، ضائعة منذ عشرين عامًا ونيف، أطوف في دهاليز نفسي، أتعثر بجدران الخوف، وأتنفس ظلامًا سكن روحي منذ الأزل.
لم يكن الخوف جديدًا، ولا الظلمة وليدة هذه اللحظة… الجديد كان ذاك الصوت المخيف، الخوار العميق الذي يتردد بين أروقة المتاهة كأنما يهز أركان الكون. هل يسكن المتاهة وحش أسطوري؟ هل سيكون هلاكي على يديه؟ لست أخشى الموت، بل أخشى البقاء أسيرة هذا الرعب إلى الأبد… عذابي المتكرر بلا نهاية، كما حكمت الآلهة على سيزيف أن يدحرج صخرته إلى قمم اليأس ثم تعيده، دون راحة أو أمل.
لكنني، وأنا بنت التيه، لم أعد أحتمل. اتخذت من جرحي بوصلة، ومن نزيفي دليلاً، وسرت خلف خيط الدم النازف من روحي، لعل الوحش يلتهمني وتستريح أوجاعي.
وكلما اقتربت، اشتد الخوار… واشتد الخوف، ينخر في عظامي كدودة خبيثة. وصلت إلى مصدر الصوت، فتوقفت أنفاسي… لم يكن هناك وحش ذو أنياب فولاذية ولا حوافر من نار، بل كان رجلًا جاثيًا، ينأّ أنين من أنهكه التيه… رجلٌ يشبهني.
كان متعبًا مثلي، ضائعًا مثلي، تائها في نفس المتاهة منذ دهور.
لم يكن غريبًا… كأنني عرفته منذ الحلم الأول، منذ ولادتي الأولى في عالم الأساطير. كانت روحه مألوفة، تشبه صوتًا سمعته في رحم الزمن… ذلك الصوت الذي همس لي قبل أن ألج باب الحياة: “سنلتقي، مهما طالت المتاهة.”
لم يكن هذا صوت النهاية… بل كان، ربما، صدى البداية. خيط حب خفي، ساحر، جذبني نحوه، لا بخوف ولا بحذر، كأنما كانت روحي تعرفه قبل أن تعرف نفسها.
تقدمت نحوه، فابتسم… لم يقل شيئًا، لكن في عينيه قرأت الحكاية. لم نعد بحاجة للكلمات… كانت لمسة من يده كافية لتعيدني إلى الحياة.
كانت يداه تحملان دفءَ ألف شمس، وعيناه تروي ظمأ السنين. شعرت وكأننا خلقنا من خيط نور واحد، شُقّ نصفين، وها نحن نعود لنتوحد… كإيزيس وأوزوريس، كإنانا وعشتار، نكمل ما فرقته الأقدار، ونغلب لعنة الخلود بالحب.
الآن… لم يعد للتيه مكان في دروبي. هو صار بوصلة الحياة. معه، كل نهاية هي بداية… وكل متاهة هي ممر سرّي إلى النور.
كأن الآلهة نفسها باركت لقاءنا، ومنحتنا نعمة النسيان لكل ألم سابق، والخلود في مدار حب لا ينتهي.






المزيد
كبرت بسرعة بقلم سها مراد
ركن على الحافه بقلم الكاتبه فاطمة هلال
حين تدار الأرواح بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر