مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

مائدة بلا خبز

بقلم/ خالد محمد شعبان

تخيل شخصاً يجلس أمام مائدة عريضة مليئة بكل ما لذ وطاب من الطعام: لحم، دجاج، سمك، وجميع أنواع الطواجن والمقبلات والطبخات التي يحلم بها أي إنسا، ثم تجده بوجه عابس يجلس واجماً أمام كل تلك المأكولات الشهية.
تسأله: “ما بك؟! لمَ تحرم نفسك من كل تلك الخيرات وتجلس حزيناً هكذا؟ أمحتار من أين تبدأ؟ أم مريض لا يمكنك أكلها؟”
فيفاجئك برد صاعق ويقول: “لا، أنا بخير وفي غاية الجوع، لكنني لا أستطيع أن آكل الطعام بدون خبز!”، تتسع حدقتا عيناك قليلاً في ذهول وأنت تسمع هذا الهراء العجيب، فترد في تلقائية بحتة: “وما المشكلة في عدم وجود الخبز؟ هذا الطعام يؤكل باليد إن لزم الأمر.”
فنظر إليك والضيق يرسم لوحة من الملامح الغليظة على قسمات وجهه العابس قائلا: “وما نفع الطعام بدون خبز؟ أنا لم أعتد أن آكل بدون رغيف العيش، ولن أبدأ ذلك الآن”، ثم يغادر القاعة والمائدة دون أكل لقمة واحدة وبطنه تتضور جوعاً.
إن كنت تتعجب من هذا المشهد يا صديقي فاعلم أن الكثير من الناس لا تأكل إلا بالخبز، حتى لو كان الطعام أرزاً أو حتى معكرونة.
وما أعنيه هنا أن بعض الناس لا يمكنه الاستفادة من إمكاناته وموارده المتاحة ما دام يركز على الوضع المثالي فقط، وينتظره بفارغ الصبر.
فالكثير منهم يحمل هاتفاً ذكياً متصلاً بالإنترنت، يتيح له مجموعة كبيرة من الدورات والكورسات والقنوات المعرفية المفيدة على مختلف المنصات، لكنه لا يستخدم هذا الهاتف إلا في اللهو وإضاعة الوقت، بحجج كثيرة تختلف من شخص لآخر.
وهذه رمزية الخبز في القصة فهو بالنسبة للبعض جهاز كمبيوتر ينتظر أن يحصل عليه ليخصصه للعمل والدراسة، وبالنسبة للبعض الآخر يعتبره حافزاً شخصياً للعمل ينتظر توليده في نفسه ليقوم بتطوير معارفه ومهاراته بسببه، وبالنسبة لبعضهم الخبز صديق وشريك طريق، يشجعه ويدعمه في كل خطواته.
وهكذا لكل واحد منا خبزه الذي يقف بينه وبين المائدة التي تعمر بالخيرات، لكننا لا ندري أن المشكلة ليست في الخبز، بل في عقولنا.
فالمهم هو أن نبدأ بغض النظر عن مدى جهوزيتنا أو استعدادنا؛ لأن التجربة هي ما ستعلمنا، ودعني أوضح بسؤال: لو كنت في الصحراء ووجدت بركة ماء نظيفة، هل ستظل عطشاناً لأنك لا تملك الكوب؟
والكوب هنا يحدده نوع المجال الذي تريد الدخول فيه، وقد يكون الحل أصلاً هو البحث عن غيره إن كان الدخول فيه بالفعل يتوقف على وجود إمكانات معينة ليست لديك، أو يتطلب مؤهلات خاصة لا تمتلكها.
لكن مهما حصل لا توقف حياتك على انتظار الكوب أو الخبز أو أي أداة اخرى، وتذكر بأن البداية دائما تكون بالمتاح وليس الطموح.