بقلم/ يحيى القطب
خسرنا المباراة أمام السنغال، لكن هذه ليست النقطة التي تستحق التوقف عندها طويلًا. فالنتائج في عالم الرياضة تتبدّل، والمباريات بمجرياتها الفنية تُنسى مع الوقت، أما ما لفت انتباهي حقًا فكان شيئًا آخر، أكثر عمقًا وأطول أثرًا في الوجدان.
الكل شاهد المباراة؛ فئات طبقية مختلفة، وأعمار متباينة، وخلفيات ثقافية قد تبدو متناقضة في أمور كثيرة. أشخاص يختلفون جذريًا في رؤيتهم للحياة، وفي ترتيب أولوياتهم، وفي أدق تفاصيل يومهم، وجدوا أنفسهم فجأة في لحظة زمنية واحدة، أمام شاشة واحدة، وبمشاعر متقاربة إلى درجة مدهشة لا تحتاج إلى شرح أو وسيط.
لم يكن الأمر مجرد صخب عابر ولا هتاف تشجيعي فقط، بل كان إحساسًا جمعيًّا طاغيًا عنوانه: «نحن معًا». إنه ذلك الحب البسيط لمصر؛ الحب غير المُسَيَّس، وغير المشروط، وغير المحتاج إلى تبرير منطقي. شعور فطري يظهر فجأة بكامل قوته، ثم يختفي خلف ضجيج الصراعات، كأنه كان كامنًا ينتظر ظرفًا استثنائيًا يسمح له بالخروج إلى النور.
هذه الظاهرة ليست لغزًا، ولا تحتاج إلى خطاب عاطفي إنشائي لفهمها، بل يمكن تفكيكها بهدوء من زاوية علم النفس الاجتماعي. فالسلوك الإنساني — في أبسط صوره — هو نتاج تفاعل مستمر بين ثلاثة عناصر جوهرية: الدماغ، والخبرة، والمعنى.
الدماغ يميل بطبيعته البيولوجية إلى الانتماء؛ فهو مبرمج على البحث عن الجماعة والشعور بالأمان حين يكون الفرد جزءًا من كيان أكبر منه يحميه ويحتويه. أما الخبرة، فهي التي تصنع الذاكرة المشتركة؛ ذلك التراكم الطويل من قصص الفرح والحزن، والانتصار والانكسار، الذي يُستدعى تلقائيًا في اللحظات الكبرى التي يشعر فيها الإنسان أنه ليس وحيدًا في الميدان. ثم يأتي المعنى، وهو الإحساس بأن هذه اللحظة — مهما كانت عابرة — تحمل قيمة تتجاوز حدود الفرد الضيقة، وأن المشاركة الوجدانية فيها ليست فعلًا بلا جدوى، بل هي تأكيد على الوجود.
وحين تجتمع هذه العناصر الثلاثة، يظهر سلوك إنساني مختلف تمامًا. ليس لأن الناس تغيّروا فجأة أو تبدّلت طباعهم، بل لأن الشروط النفسية اكتملت، فخرج ما كان مدفونًا أصلًا تحت سطح الأزمات.
اللافت أن هذه الروح لا تظهر كثيرًا في تفاصيلنا المرهِقة، لكنها موجودة بكل ثقلها. تختفي تحت ضغوط الحياة وتراكمات الإحباط، وتعود حين تتوفر لحظة صدق تسمح لها بالظهور. وربما كانت ندرتها هي ما يجعلها لافتة للنظر، لا ضعفها؛ فغيابها في الأوقات العادية لا يعني زوالها، بل يعني غياب السياق والمحفّز الذي يستدعيها.
إن روحًا كهذه، إن حضرت في مجالات العمل والإنتاج والإبداع، لا تحتاج إلى صراعات مريرة ولا إلى شعارات رنّانة. يكفي فقط أن تُخفّف من حدّة الآفات الاجتماعية، وأن تُعيد للمجتمع توازنه المفقود، وأن تُذكّر الناس بأنهم — رغم كل اختلافاتهم — قادرون على الاجتماع والإنجاز حين تتضح المعاني وتتوحد الغايات.
ليست الهزيمة الكروية هي ما يؤلم في الحقيقة، بل ذلك السؤال الهادئ والمحير الذي تتركه خلفها: لماذا لا نرى هذه الروح المتجرّدة إلا نادرًا، رغم أنها كانت هنا… تنبض أمام أعيننا جميعًا؟






المزيد
الحكمة ثم العلم
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي