مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لماذا أصبح البعض يعتقد أن الأخلاق لم تعد مهمة في هذا الزمن؟

كتب عبد الرحمن شعبان سعد:

 

في زمن تتغير فيه المفاهيم بسرعة، وتتصدر فيه المظاهر والمصالح واجهة المشهد، أصبح بعض الناس يظنون أن الأخلاق لم تعد لها نفس المكانة التي كانت عليها من قبل. بل وصل الأمر عند البعض إلى الاعتقاد بأن النجاح يمكن أن يتحقق بعيدًا عن القيم، وأن العلاقات يمكن أن تستمر بدون صدق، وأن المصلحة قد تكون بديلًا كافيًا عن المبادئ. لكن هذا التصور، رغم انتشاره، يطرح سؤالًا عميقًا: هل يمكن لحياة الإنسان أو للمجتمع أن يستقيم بدون أخلاق؟

 

إن الأخلاق ليست رفاهية اجتماعية ولا خيارًا إضافيًا في حياة الإنسان، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات بين الناس، وتستقيم به المجتمعات. فعندما تضعف الأخلاق، لا تنهار القيم فقط، بل تبدأ الثقة في التآكل بين الناس، ويصبح التعامل مليئًا بالحذر والشك بدلًا من الطمأنينة والاحترام.

 

ومن الأسباب التي جعلت بعض الناس يقللون من أهمية الأخلاق هو التركيز المفرط على النجاح المادي والإنجاز السريع، حتى أصبح معيار التفوق عند البعض مرتبطًا بالمال أو الشهرة أو النفوذ، دون النظر إلى الطريقة التي يتم بها الوصول إلى هذه النتائج. كما أن انتشار النماذج التي تحقق نجاحًا ظاهريًا رغم ضعف السلوك الأخلاقي جعل البعض يظن أن الأخلاق لم تعد ضرورية كما كانت في السابق.

 

كذلك ساهمت سرعة الحياة وضغطها في تراجع الاهتمام بالتفاصيل الإنسانية الصغيرة، مثل الصدق في التعامل، والوفاء بالوعود، واحترام الآخرين، حيث أصبح البعض يرى أن هذه القيم قد تعيق سرعة الإنجاز أو تعقّد العلاقات، بينما الحقيقة أنها هي التي تحافظ على استمراريتها.

 

لكن التجربة الإنسانية عبر التاريخ تثبت أن أي نجاح لا يقوم على الأخلاق هو نجاح هش، سرعان ما يفقد قيمته أو ينقلب إلى مصدر مشكلات. فالأخلاق ليست عائقًا أمام التقدم، بل هي ضمانة لاستمراره واستقراره، وهي التي تمنح الإنسان احترام الآخرين حتى في غيابه.

 

والأخطر من غياب الأخلاق هو تبرير غيابها، عندما يبدأ الإنسان في إقناع نفسه أن الظروف تبرر له التخلي عن مبادئه، أو أن “الكل يفعل ذلك”، فيتحول الخطأ إلى عادة، وتصبح القيم شيئًا ثانويًا يمكن تجاوزه بسهولة.

 

الحلول العملية والإيجابية

 

إعادة تعريف النجاح ليشمل الأخلاق والسلوك قبل النتائج.

 

التمسك بالقيم حتى في البيئات التي لا تقدرها.

 

تعليم الأجيال الجديدة أن الأخلاق قوة وليست ضعفًا.

 

التركيز على بناء الثقة في العلاقات أكثر من تحقيق المكاسب السريعة.

 

مراجعة النفس باستمرار وتصحيح السلوكيات الخاطئة.

 

الابتعاد عن تبرير الأخطاء باسم الظروف أو ضغط الواقع.

 

اختيار القدوة التي تجمع بين النجاح والأخلاق معًا.

 

الرؤية الإسلامية

 

قال الله تعالى

 

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

سورة القلم الآية 4

 

وقال سبحانه

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾

سورة النحل الآية 90

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

« إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق »

رواه مالك

 

وقال صلى الله عليه وسلم

 

« أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا »

رواه الترمذي

 

الرؤية المسيحية

 

جاء في الإنجيل

 

« فليكن كل شيء عندكم بلياقة وبحسب ترتيب »

رسالة كورنثوس الأولى 14 : 40

 

وجاء أيضًا

 

« كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهم »

إنجيل متى 7 : 12

 

وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى التمسك بالأخلاق والعدل والرحمة في التعامل مع الناس، لأن القيم الأخلاقية ليست مجرد سلوكيات فردية، بل هي الأساس الذي يقوم عليه استقرار المجتمع وسلامه. فحين يلتزم الإنسان بالأخلاق، فإنه لا يحافظ فقط على صورته أمام الناس، بل يحافظ أيضًا على توازن المجتمع وثقة أفراده بعضهم ببعض.

 

وفي النهاية، قد تتغير معايير النجاح من زمن إلى آخر، وقد تتبدل الوسائل وتتطور الأدوات، لكن تبقى الأخلاق هي الثابت الحقيقي الذي لا يفقد قيمته أبدًا. فالمجتمع الذي يفقد أخلاقه قد يحقق إنجازات مؤقتة، لكنه لا يستطيع أن يحافظ على استمراره. لذلك فإن الأخلاق ليست شيئًا قديمًا كما يظن البعض، بل هي جوهر الإنسان الحقيقي، والأساس الذي لا يمكن لأي تقدم أن يستغني عنه.