مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لماذا أصبح البعض يظن أن السعادة في المال فقط؟

كتب عبد الرحمن شعبان سعد:

 

منذ سنوات طويلة والإنسان يسعى إلى تحسين مستوى حياته، ويجتهد في عمله ليؤمن مستقبله ويحقق حياة كريمة له ولأسرته، وهذا أمر طبيعي ومشروع. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المال من وسيلة للحياة إلى غاية للحياة، وعندما يقتنع الإنسان أن السعادة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا امتلك المزيد من المال، فيقضي عمره كله يطارد الأرقام، بينما تغيب عنه الأشياء التي لا تُشترى مهما بلغ ثمنها.

 

لقد أصبح المجتمع في كثير من الأحيان يقيس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يكونه، فأصبح صاحب المال يحظى بالاهتمام حتى قبل أن تُعرف أخلاقه، بينما قد يُهمل صاحب العلم أو الخلق أو الكفاءة إذا لم يكن يملك ما يلفت الأنظار. ومع تكرار هذه الصورة بدأ البعض يربط بين المال والسعادة ربطًا كاملًا، حتى ظن أن امتلاك الثروة يعني بالضرورة امتلاك الراحة والطمأنينة.

 

ولا شك أن المال نعمة عظيمة إذا استُخدم في الخير، فهو يوفر احتياجات الإنسان، ويمنحه قدرًا من الاستقرار، ويفتح أمامه أبوابًا كثيرة من الفرص. لكن التاريخ والواقع يثبتان أن المال وحده لم يمنع الحزن، ولم يمنع القلق، ولم يمنع الوحدة، ولم يمنع الأمراض النفسية أو المشكلات الأسرية. فكم من إنسان يملك الملايين لكنه لا ينام مطمئنًا، وكم من إنسان بسيط الإمكانات يعيش بقلب راضٍ ونفس هادئة.

 

ومن أسباب هذا الاعتقاد أن الإنسان أصبح يرى مظاهر الرفاهية أكثر مما يرى الحقائق. فوسائل التواصل الاجتماعي تعرض البيوت الفاخرة والسيارات الفارهة والسفر المستمر، لكنها لا تعرض الضغوط النفسية أو المشكلات العائلية أو الصراعات التي قد يعيشها أصحاب هذه الحياة. فيظن المشاهد أن المال حل لكل شيء، بينما الحقيقة أن لكل إنسان معركته الخاصة مهما كان حجم ثروته.

 

كما أن الإعلانات وثقافة الاستهلاك رسخت فكرة أن شراء المزيد يعني حياة أفضل، فأصبح البعض يسعى لامتلاك الأشياء لا لأنه يحتاجها، بل لأنه يعتقد أنها ستمنحه شعورًا دائمًا بالسعادة. لكن هذا الشعور غالبًا ما يكون مؤقتًا، وسرعان ما يبحث الإنسان عن شيء جديد يشتريه، لتبدأ دائرة لا تنتهي من اللهاث خلف المزيد.

 

والسعادة الحقيقية لا تأتي من وفرة المال وحدها، وإنما من التوازن بين متطلبات الحياة المادية والروحية والإنسانية. فالأسرة المتماسكة، والصحة، وراحة الضمير، والمحبة الصادقة، والرضا، والإحساس بالهدف، كلها نعم لا يستطيع المال أن يشتريها مهما بلغت قيمته.

 

الحلول العملية والإيجابية

 

أن ينظر الإنسان إلى المال باعتباره وسيلة لا غاية.

 

أن يوازن بين السعي للرزق والاهتمام بأسرته وصحته وعلاقاته.

 

أن يمارس الامتنان لما يملكه بدلًا من الانشغال الدائم بما ينقصه.

 

أن يستخدم ماله في الخير ومساعدة المحتاجين، فالعطاء يمنح سعادة لا تحققها الماديات وحدها.

 

أن يتجنب مقارنة مستواه المادي بمستوى الآخرين.

 

أن يستثمر في العلم والخبرة والأخلاق، فهذه الثروات تبقى مع الإنسان طوال حياته.

 

أن يتذكر أن أغلى ما يملكه الإنسان هو وقته وصحته وأهله، وهي أمور لا يمكن تعويضها إذا ضاعت.

 

الرؤية الإسلامية

 

قال الله تعالى

 

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾

 

سورة الكهف الآية 46

 

وقال سبحانه

 

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾

 

سورة القصص الآية 77

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

« ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس »

 

رواه البخاري ومسلم

 

وقال صلى الله عليه وسلم

 

« ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس »

 

رواه الترمذي

 

الرؤية المسيحية

 

جاء في الإنجيل

 

« لأن محبة المال أصل لكل الشرور »

 

رسالة تيموثاوس الأولى 6 : 10

 

وجاء أيضًا

 

« لا تقدرون أن تخدموا الله والمال »

 

إنجيل متى 6 : 24

 

وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى أن يكون المال نعمة تُستخدم في الخير وخدمة الإنسان، لا أن يتحول إلى سيدٍ يتحكم في القلب والعقل. فكلتا الديانتين تؤكدان أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه من أموال، وإنما بما يحمله من إيمان وأخلاق ورحمة وعمل نافع، وأن السعادة الحقيقية تنبع من سلام النفس ورضا القلب قبل امتلاء الجيوب.

 

وفي النهاية، ليس السؤال الحقيقي هو: كم تملك؟ بل: كيف تعيش بما تملك؟ فقد يمتلك إنسان القليل ويشعر أنه أغنى الناس لأنه يعيش في محبة ورضا وطمأنينة، وقد يمتلك آخر كنوز الدنيا كلها ولا يجد دقيقة واحدة من راحة القلب. لذلك يبقى المال نعمة عظيمة إذا بقي في اليد، لكنه يتحول إلى عبء عندما يسكن القلب ويصبح هو الغاية الوحيدة للحياة. فالسعادة ليست رقمًا في حساب مصرفي، وإنما حالة من الرضا يصنعها الإيمان، والأخلاق، والعلاقات الصادقة، والعمل الذي يترك أثرًا طيبًا في حياة الآخرين.