كتب عبد الرحمن شعبان سعد:
لا يمكن لأي مجتمع أن يعيش في استقرار إذا أصبح أفراده يتحدثون عن الحقوق أكثر مما يتحدثون عن الواجبات. فالحقوق والواجبات وجهان لعملة واحدة، لا يكتمل أحدهما دون الآخر، لكن ما نراه اليوم في كثير من المواقف اليومية يدعو إلى التأمل. فالجميع يطالب بأن يُحترم، لكن هل يحترم الآخرين؟ والجميع يطالب بالعدل، لكن هل يعدل في معاملاته؟ والجميع يريد أن يسمع كلمة طيبة، لكن هل يحرص على أن يقولها لغيره؟
لقد أصبحت ثقافة المطالبة بالحقوق تنتشر بسرعة، بينما تراجعت عند البعض ثقافة تحمل المسؤولية وأداء الواجب. فأصبح الموظف يطالب بكامل حقوقه الوظيفية، لكنه قد يقصر في أداء عمله. ويطالب الابن بحقوقه داخل أسرته، لكنه ينسى واجبه في بر والديه واحترامهما. ويطالب الزوج أو الزوجة بما له من حقوق، بينما يغفل ما عليه من واجبات. بل إن بعض العلاقات الإنسانية أصبحت تقوم على مبدأ الأخذ أكثر من العطاء، حتى تحولت المحبة عند البعض إلى حسابات دقيقة، وأصبح كل طرف ينتظر ما سيأخذه قبل أن يفكر فيما سيقدمه.
وهذه النظرة لا تؤدي إلا إلى زيادة الخلافات، لأن المجتمع لا يبنى بالمطالبة المستمرة، وإنما يبنى عندما يشعر كل إنسان أن عليه رسالة يؤديها قبل أن ينتظر المقابل. فكلما أدى الإنسان واجبه بإخلاص، اقترب المجتمع كله من حفظ الحقوق بصورة طبيعية، لأن الحقوق في كثير من الأحيان هي نتيجة مباشرة لقيام الآخرين بواجباتهم.
ومن الأسباب التي ساهمت في انتشار هذه الظاهرة أن ثقافة الاستحقاق أصبحت أقوى من ثقافة العطاء. فهناك من يعتقد أن كل شيء يجب أن يقدم له، دون أن يسأل نفسه ماذا قدم هو للآخرين. كما أن بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل ركزت على لغة الحقوق بصورة كبيرة، وهو أمر مهم، لكنها في المقابل لم تمنح الواجبات المساحة نفسها، فاختل الميزان في عقول بعض الناس.
كما أن التربية لها دور كبير في ذلك، فالطفل الذي ينشأ وهو يحصل على كل ما يريد دون أن يتعلم تحمل المسؤولية، يكبر وهو يظن أن الحياة مدينة له بكل شيء، وأن الآخرين مطالبون دائمًا بإرضائه، بينما هو غير مطالب ببذل الجهد أو تقديم المقابل.
والحقيقة التي يغفل عنها البعض أن الحضارات لم تُبنَ بأشخاص ينتظرون دائمًا ما يأخذونه، وإنما بُنيت بأشخاص سألوا أنفسهم كل صباح: ماذا يمكن أن أقدم؟ فالعطاء هو الذي يصنع المجتمعات، أما الأنانية فلا تصنع إلا مزيدًا من الصراعات.
الحلول العملية والإيجابية
أن يراجع كل إنسان واجباته قبل أن يطالب بحقوقه.
أن يتعلم الأبناء منذ الصغر أن الحقوق يقابلها مسؤوليات.
أن يصبح أداء الواجب جزءًا من الضمير لا مجرد التزام مفروض.
أن يسود مبدأ التعاون بدلًا من تبادل الاتهامات.
أن يحرص كل فرد على تقديم الخير لمن حوله دون انتظار مقابل دائم.
أن يدرك الإنسان أن المجتمع القوي يقوم على التوازن بين الأخذ والعطاء.
أن يجعل السؤال اليومي في حياته ليس فقط ماذا سأحصل عليه بل ماذا سأقدم اليوم.
الرؤية الإسلامية
قال الله تعالى
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
سورة النحل الآية 90
وقال سبحانه
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
سورة المائدة الآية 2
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته »
رواه البخاري ومسلم
وقال صلى الله عليه وسلم
« خير الناس أنفعهم للناس »
رواه الطبراني وحسنه عدد من أهل العلم
الرؤية المسيحية
جاء في الإنجيل
« فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمْ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ »
إنجيل متى 7 : 12
وجاء أيضًا
« لاَ يَنْظُرْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِآخَرِينَ أَيْضًا »
رسالة فيلبي 2 : 4
وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى أن يكون الإنسان مسؤولًا قبل أن يكون مطالبًا، وأن يؤدي ما عليه بإخلاص قبل أن ينتظر ما له. فكلتا الديانتين تؤكدان أن بناء المجتمع يبدأ من أداء الواجب، وأن العدل الحقيقي يتحقق عندما يحرص كل فرد على حقوق الآخرين كما يحرص على حقوقه هو.
وفي النهاية فإن المجتمع لا ينهض بكثرة المطالب وحدها، ولا يستقر بمجرد المطالبة بالحقوق، وإنما ينهض عندما يصبح أداء الواجب ثقافة راسخة في النفوس. فعندما يؤدي الأب واجبه، والمعلم واجبه، والطبيب واجبه، والعامل واجبه، والمسؤول واجبه، سيجد كل واحد منهم أن حقوقه تصل إليه بصورة طبيعية. فالحياة ليست ساحة يأخذ فيها الجميع، بل رسالة يتشارك فيها الجميع بالعطاء، وعندما ينتصر الواجب في القلوب، تحفظ الحقوق في الواقع، ويصبح المجتمع أكثر عدلًا ورحمة واستقرارًا.






المزيد
Пинко казино официальный сайт: новинки ноября 2023 года
Пинко казино официальный сайт: новинки ноября 2023 года
Пинко казино официальный сайт: новинки ноября 2023 года