لـِ سها طارق
حينما يأخذك القدر إلى طرقات مجهولة، ستجد بصيص الأمل يتجلى في هيئة إنسانٍ يرمم ندوبًا لم يكن سببها، بل يسعى بكل طاقته لإزالة بقايا الألم والدموع. لكن السؤال يبقى هنا: هل سينتصر القدر؟ أم أن الحب سيمنح الحبيبين فرصة للسعادة؟
كان يومًا غريبًا ينبض فيه القلب بشعور غامض، وكأن شيئًا ما على وشك الحدوث في الساعات القادمة. كانت سهيلة، بملامحها الشاحبة وعينيها اللامعتين، تحاول التغلب على الضجيج الذي سيطر على أفكارها دون سابق إنذار. تسير في شوارع قرية غريبة، حيث البيوت القديمة تروي قصص الأجداد، والشجر يرقص مع نسمات الرياح.
بينما كانت في يدها هاتفها الذي يرن بلا توقف، أجابت بصوت متوتر، فسمعت صوتًا من الطرف الآخر: “سهيلة، أين أنتِ؟ توفيت جدتك الآن، أسرعي قبل الجنازة.” ثم انقطع الخط!
ارتبكت، وتمتمت: “لا، لا، إنها مزحة! جدتي لم يحدث لها شيء، هي لم تتركني، لقد وعدتني أننا سنظل معًا إلى الأبد… يا رب، لا تأخذها مني، خذني معها!” رن الهاتف مرة أخرى، فردّت بصوت مرتعش ويدين ترتجفان: “سهيلة، أين أنتِ؟ نحن في انتظارك لتودعي جدتك.” ردت سريعًا: “أنا في طريقي الآن.”
خرجت مسرعة، تحاول إيقاف سيارة، لكن كل محاولاتها باءت بالفشل. فجأة، توقفت سيارة حديثة بالقرب منها. اقتربت وسألت السائق: “من فضلك، هل يمكنك أن توصلني إلى هذا العنوان؟”
ابتسم السائق، رجل في الثلاثينات من عمره، ذو عيون دافئة وشعر بني مموج: “بالطبع، تفضلي بالركوب.” جلست بصمت، بينما كانت أشجار الطريق تتراقص في الخارج، وكأنها تعبر عن مشاعرها.
أثناء الطريق، قطع السائق الصمت بسؤال، صوته كان لطيفًا: “ممكن سؤال، يا آنسة؟”
“تفضل.”
“هل اسمك سهيلة؟” نظرت إليه بدهشة وسألته: “من أين تعرفني؟”
أجاب مبتسمًا: “هل تصدقين لو قلت إنني رأيتك مرة واحدة، ومنذ ذلك الحين لم تفارقي خيالي؟” تابع قائلاً بصدق: “وقعت عيني في حب عينيكِ من اللحظة الأولى.”
لم ترد سهيلة، وعادت لشرودها. فكرت لو كانت قد التقت به في وقت آخر، ربما لكانت فتحت له قلبها دون تردد، لكنها الآن تشعر أن قلبها قد تحطم؛ لأن روحها رحلت مع ابتسامة جدتها.
وصلت أخيرًا، فقال الرجل: “أعلم أن الوقت غير مناسب، ولكن عندما تتحسن الأمور، سأعود لأطلب يدكِ.” ثم أردف بلطف: “تفضلي، وصلنا.”
نزلت سهيلة وسط الحشد، وكل خطوة كانت كأن ثقل العالم يسحق قلبها. غمرها الحزن في عالم آخر، شعرت فيه وكأنها تلتقي بجدتها للمرة الأخيرة. كانت الجدة مستلقية في نعش أبيض مزين بالزهور البيضاء، ووجهها كان يبدو هادئًا وسعيدًا.
همست بخفوت: “وداعًا يا عائلتي الجميلة، اجعل قلوبنا صبورة يا الله، فقد آمنا بقضائك.”
وفي تلك اللحظة، شعرت بوجود جدتها بجانبها، كأن روحها تحيط بها وتمنحها القوة. في النهاية، انتصر القدر، وجرى ما لا مفر منه. لكن، مع كل ألم، يمكن للحب أن يزهر من جديد. ربما يمكننا أن نحب، لكن علينا أن نؤمن بأن القدر أقوى من كل شيء؛ فالإنسان لا يستطيع الهروب من مصيره، لكنه يمكنه أن يحتفظ بذكريات الحب، ويبدأ من جديد.






المزيد
وجع مرئى :بقلم :سعاد الصادق
حين يتكلم الصمت: بقلم: سعاد الصادق
ضوء هادئ