بقلم/ يحيى القطب
من لعبة إلى لعنة
دار بيني وبين أبنائي حوارٌ بسيط، لكنه ترك في نفسي أثرًا عميقًا. لم يكن حديثًا عن أمرٍ نظري، ولا عن خطرٍ بعيد نقرأ عنه في الأخبار، بل عن واقع صار يقترب من بيوتنا أكثر مما نتصوّر.
فالخطر اليوم لم يعد حكاية تُروى، ولا عالمًا مظلمًا بعيدًا عن متناولنا، بل صار يمرّ في المدرسة المجاورة، ويظهر في محيط الأصدقاء، وقد يطرق باب البيت دون سابق إنذار.
كنا قديمًا نسمع عن المصائب ولا نصادفها في دائرتنا القريبة، أما اليوم فنراها في جار، أو زميل، أو صديق.
عالم تغيّر، وسرعة الحياة فيه تجاوزت قدرة كثير من الأسر على المتابعة والفهم.
يبدأ الطريق غالبًا بلا ضجيج. لعبة إلكترونية، قناة ألعاب (Gaming)، مقطع مشوّق، تحدٍّ بسيط، ثم مهام صغيرة تحت شعار المتعة أو الربح السريع. في الظاهر، لا شيء يدعو للقلق.
لكن بعض هذه المسارات لا تتوقف عند الشاشة، بل تمتد إلى عوالم أشدّ ظلمة، حيث تُدار النفوس كما تُدار الخوارزميات، ويُختبر الإنسان خطوة خطوة.
نسمع — أو نرى في الواقع — عن فتيان جُرّوا إلى هذا الطريق، فارتكبوا أفعالًا لم تخطر لهم على بال من قبل.
اعتداء، تصوير، تهديد، أو ابتزاز، وكل ذلك مقابل مال أو شعور زائف بالقوة والانتماء.
ولا تنتهي الكارثة عند الفعل ذاته، بل تمتد آثارها إلى الأسرة بأكملها، في صورة مشكلات قانونية، أو اجتماعية، أو نفسية طويلة الأمد.
ومن المهم أن نفهم أن السلوك الإنساني لا يولد شرًّا مفاجئًا… السلوك، في علم النفس، هو نتاج تفاعل ثلاثة عناصر أساسية: الدماغ، والخبرة، والمعنى.
حين يتعرّض الطفل أو المراهق لخبرات مشوّهة، ويُعاد تشكيل المعنى في وعيه، فإن أثر ذلك لا يزول بانتهاء الواقعة.
ولهذا فإن العلاج الحقيقي في مثل هذه الحالات لا يقتصر على العقاب، بل يمتد إلى العلاج النفسي وتقويم السلوك، لأن الرواسب العميقة أخطر من الفعل العابر.
كثيرًا ما نخلط بين الأداة والفعل… الإنترنت أداة، كما أن السكين أداة.
الفارق شاسع بين من يستخدم السكين لإعداد طعامه، ومن يرتكب بها جريمة. وكذلك الإنترنت؛ يمكن أن يكون بابًا للعلم والمعرفة، كما يمكن أن يكون مدخلًا للإباحية أو العنف أو الجريمة.
الأدوات في ذاتها بريئة، لكن الإنسان هو من يحدّد اتجاه استخدامها.
ومن أخطر الأوهام التي نقع فيها: وهم “سأجرّب مرة واحدة فقط”. الإدمان لا يبدأ إدمانًا، بل يبدأ فضولًا.
تجربة عابرة، ثم عادة، ثم تعلّق، ثم صعوبة في الفكاك. سيجارة، مشهد، لعبة، موقع… وكلها تبدأ من نقطة يظنّ صاحبها أنه مسيطر عليها، ثم يكتشف متأخرًا أن السيطرة انتقلت إلى غيره.
الطريق المظلم لا يُبنى بالقفز، بل بالتدرّج!
يبدأ بلعبة، ثم مهام بدعوى الربح، ثم تصوير مكان، ثم شارع، ثم إيذاء كائن ضعيف، ثم الاعتداء على إنسان.
في كل مرحلة تُكسَر عتبة نفسية، وتُراقَب الاستجابة، وتُصنَّف النفس… من يملك شهوة يُفتح له بابها، ومن يملك عنفًا تُقدَّم له مهامه… ليست فوضى، بل تدريب ممنهج على الانحدار.
أمام هذا الواقع، لا يكفي الاعتماد على الرقابة وحدها… فالرقابة الخارجية، مهما اشتدت، ستفشل عاجلًا أم آجلًا.
حذف كل مشهد، وإغلاق كل باب، قد يُشعل الفضول بدل أن يُخمِده… الحل الحقيقي هو زرع الوعي، أن يمتلك الابن حارسًا داخليًا يردعه، لا عينًا تراقبه باستمرار.
أن يتجاوز المشهد بإرادته، وأن يغضّ بصره اختيارًا، لا خوفًا.
لسنا مطالبين بحماية أبنائنا من العالم، فهذا مستحيل، بل بتعليمهم كيف يعيشون فيه دون أن يبتلعهم. الخطر قريب، نعم، لكن الوعي أقرب. وما نزرعه اليوم فهمًا وبصيرة، سنحصد غدًا به نجاة.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق