مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كنوز لا تلمع

بقلم/ خالد محمد شعبان

سمعتُ كثيرًا مقولة: «ليس كل ما يلمع ذهبًا»، لكن لم يُخبرني أحدٌ من قبل بوجود أشياء أغلى من الذهب ومن كل نفائس الدنيا. إنها كنوز لا تُوزن بالميزان، ولا تُقدَّر بالقيراط، ولا تُورَث في الوصايا. ورغم أنها لا تلمع تحت ضوء الشمس، وليس لها وجودٌ ماديٌّ ملموس، إلا أنها تشعّ بنورها الخاص في عالمنا الباطني. إنها لا تُشترى بالمال؛ فالمال يشتري الخدمة ولا يشتري الإخلاص، ويقتني السلعة ولا يقتني القيمة. ولا تُنتَظر بمرور الوقت؛ فكم من عمرٍ مضى دون أن يلمس قلبُ صاحبه شيئًا منها. ولا يُبذل الجهد العضلي للوصول إليها؛ فمسالكها قَلبيّة وليست جغرافية. بل لا يمكن حتى امتلاكها أو حصرها في خزينة، إنما نشعر بها فقط في قلوبنا وعقولنا، كضياءٍ داخلي يغمر كينونتنا.

إنها أفكارنا وأحاسيسنا، تلك القوى الخفية التي منحت الذهب قيمته، وأعطت للمال سلطته، وللوقت معناه من منظورنا. فلو تجرد العالم من هذه المرايا الذاتية، لتحولت كل الماديات إلى كائنات صمّاء بلا معنى. وبدون الفكر والإحساس، إما أن نصبح آلاتٍ صمّاء لا تفهم سوى لغة الأرقام والأسباب والنتائج، أو نتحول إلى دواب لا تدرك إلا نداء الشهوة والاحتياج الغريزي، بينما تظل هذه الملكات هي الفاصل الجوهري الذي يرتقي بنا إلى مصافّ الاستبصار، والشعور بالجمال والحقيقة والخير.

ويبقى الحب هو التاج الذي يلمع بين أحاسيسنا وأفكارنا، وهو اللؤلؤة التي تتشكّل في أعماق المحيط الوجداني الهائج. ولأننا نحب أن نربط القيمة بالمعنى، أطلقنا عليه لقب «صانع المعجزات». إنه المعجزة التي نعيشها كل يوم؛ التي تحوّل العادي إلى استثنائي، والمؤلم إلى درس، والتافه إلى مقدّس. هذه القيمة التي لا تُقدَّر بثمن هي الدافع الذي يُحفّز الإنسان على تحدي أعتى أعدائه منذ الأزل، ألا وهي النفس البشرية بكل تناقضاتها وأهوائها، ليُخرجها من طين الشهوة والأنانية إلى سموّ روح الحرية والحياة الحقيقية. إنه القوة التي تذيب الحواجز بين الذات والآخر، وتجعل من العطاء غنيمة، ومن الفناء في المحبوب خلودًا.

لذا فالحب أكبر من مجرد إحساسٍ عابر؛ إنه الجوهر الذي تُنسج منه الحياة نفسها، والنواة التي تدور حولها كل قيمنا الإنسانية. إنه القيمة العليا التي تُسيّر نواميس كوننا الداخلي، وتخلق التوازن بين العقل والقلب، وبين الفرد والجماعة. وهو اللغة الكونية الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة، والمعنى الذي يبحث عنه الجميع، حتى أولئك الذين ينكرونه؛ فإن بحثهم عن الشغف أو الإنجاز أو الجمال هو في الحقيقة وجهٌ من وجوه البحث عن الحب. فهو الذي يضفي على الوجود بهاءه، وعلى الروح سكينتها، وعلى الرحلة معناها الأعمق.