اسم الكتاب: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا
اسم الكاتب: هاني الميهى
عنوان الفصل: الفصل الثالث – عمق النفس
عنوان الجزء: الجزء الثانى – صراعات الطبقات وتأثيرها على الحياة .
حين بدأت رحلتى مع النفس، ظننت أن ما يشغل الإنسان فى داخله هو تلك المشاعر العابرة التى تتبدل حسب الأيام والظروف. لكننى، كلما توغلت أكثر فى الأعماق، اكتشفت أن أعقد ما يواجهه المرء ليس ما يشعر به… بل ما وُضع بداخله دون أن يختار. وأشدّ ما يُزرع فى النفس دون إذن هو أثر الطبقة الاجتماعية التى وُلِد فيها الإنسان.
كنت أظن – مثل كثيرين – أن الطبقية مجرد تقسيم للدخل، ومستوى للمعيشة، وحدود لما يملكه الفرد. لكن فى عمق النفس، بات واضحًا لى أن الطبقة ليست مرتبطة بامتلاك المال فقط، بل بامتلاك التصوّر عن الذات. فالفقير لا يتألم لأنه بلا مال، بل لأنه يُقنع نفسه أن سقف وجوده أقلّ من الآخرين. والغنى لا يشعر بالقوة لأنه ميسور، بل لأنه تربّى على فكرة أن العالم ملك يده.
كنت أراقب نفسى، وأتأمل الآخرين، وأرى كيف يؤثر هذا التصنيف غير المرئى على بنية الإنسان النفسية. فالطبقة لا تمنحك المال فقط، بل تمنحك — أو تنتزع منك — الحق فى الحلم، والجرأة على التغيير، والشعور بأنك تستحق الأفضل.
وأخطر ما فى الطبقية أنها تتسلل إلى الداخل فتحدد حجم نفسك قبل أن تحدد حجم جيبك.
لاحظت أن كثيرًا من الناس يسقطون فى صراعين متناقضين:
صراع من نشأ فى بيئة تُخبره دائمًا أنه أقل من غيره، فيحيا عمره يلوم نفسه، ويقارنها بالآخرين، ويفترض أنه لا يستحق أن يكون فى الصف الأمامى. وصراع من عاش فى طبقة تمنحه وهم التفوق، فيرى نفسه أكبر من طاقته، ويتعامل بثقة لا يملك أدواتها، فيقع فى أخطاء سببها الغرور لا القدر.
وبين هذين الصراعين وجدت نفسى أتساءل:
هل الإنسان ابن طبقته، أم ابن إرادته؟
وهل يُولد المرء محدودًا حقًا، أم أن الحدود تُصنع داخل رأسه قبل أن تُرسم حوله؟
ومع كل تجربة مررت بها، كنت أكتشف أن الطبقية تتحول داخل النفس إلى سلسلة خوف:
خوف من الصعود حتى لا يُقال عنه أنه تجاوز مكانه،
وخوف من السقوط حتى لا يفقد الصورة التى صنعها المجتمع له.
وفى الحالتين يعيش الإنسان محاصرًا لا بحرية الواقع، بل بقيود التصنيف.
ورأيت بأم عينى أشخاصًا يمتلكون الموهبة، والقدرة، والفرصة… لكنهم فقدوا الإيمان بأنفسهم لأنهم نشأوا فى بيئة لا تعرف إلا البقاء فى الظل. ورأيت آخرين يملكون كل الامتيازات لكنهم لم يحققوا شيئًا، لأنهم اعتمدوا على الدعم الخارجى دون أن يبنوا قوة داخلية.
وفى رحلتى علمت أن الطبقية لا تُهزم بالمال، ولا بالمظاهر، بل تُهزم حين يقرر الإنسان أن يعيد صياغة نفسه بمعزل عن أحكام المجتمع. أن ينظر إلى ذاته بلا مقارنة، بلا خوف، بلا إحساس اصطناعى بالنقص أو الفوقية.
فالتحرر الحقيقى يبدأ حين يدرك المرء أن قيمته لا يصنعها مكان ولادته، بل قدرته على اختيار مسار مختلف.
ولذلك، أدركت شيئًا جوهريًّا:
قد يولد الإنسان فى طبقة لا يملك تغييرها، لكن يستطيع أن يغيّر أثرها فى داخله.
وما يغيّره فى نفسه يفتح أمامه أبوابًا لم تكن محسوبة له، حتى لو بقيت ظروفه كما هى.
إن النفس لا تعكس الطبقة… النفس تعكس ما اقتنع به صاحبها.
رسالة
“الطبقة تُقيد ظاهر الإنسان، لكن النفس لا تخضع إلا لمن يسلّمها قيادها.”
#هانى_الميهى
#كتابونفسوما_سواها






المزيد
بين الكتمان والطمأنينة بقلم ابن الصعيد الهواري
بين الخوف والتعوّد… يولد الاتزان بقلم ابن الصعيد الهواري
حين تتكئ النفس على نفسها… وتكتشف وجوه الطريق بقلم ابن الصعيد الهواري