الجسر الذي لا يراه أحد
“اهداء الى الكاتبه / علياء فتحى ”
للكاتب / عمرو سمير شعيب
هناك إنسانٌ يمشي بيننا كأنه ممرّ للخير.
لا يترك أثرًا صاخبًا، ولا يرفع صوته ليُسمع، لكنه — بطريقة ما — يبدل شيئًا في العالم كلما مرّ.
التفاني في خدمة الناس ليس بطولة ولا ورعًا؛ إنه شكل من أشكال الهروب الهادئ من الذات.
فالإنسان الذي يعطي كثيرًا قد لا يفعل ذلك لأنه قوي، بل لأنه يعرف ثقل الألم جيدًا، ويدرك أن تقليل وجع الآخرين هو الطريقة الوحيدة لتخفيف وجعه هو نفسه.
هذا الإنسان يشبه جسرًا لا يعرف من يعبره.
الجسر لا يطلب شكرًا ولا يتوقف ليتحقق ممن يمشي فوقه، لكنه رغم ذلك يبقى قائمًا لينقل العالم من ضفة إلى أخرى.
التفاني، في جوهره، هو محاولة لإعادة ترتيب فوضى العالم عبر الذات:
أن تجعل حياتك أداة لطمأنة الآخرين، أو لترميم ما يتشقق فيهم، أو لإضاءة الأماكن التي انطفأت قلوبهم تحتها.
لكن المفارقة الفلسفية تكمن في أن هذا الإنسان كثيرًا ما يعيش بلا مَن يلتفت إليه.
فالناس يتذكرون ما قدّمه، لا من يكون هو.
ويظل هو نفسه السؤال المُعلّق:
هل يعطي لأنه يريد أن يُرى؟
أم يعطي لأنه هو وحده يرى ما لا يراه الآخرون؟
وفي النهاية…
يظل المتفاني في خدمة الناس كائنًا يقف في المنطقة الرمادية بين القوّة والهشاشة:
قوّة تمنح الآخرين ما يحتاجون،
وهشاشة لا يراها أحد إلا حين يتعب،
وحتى تعبُه — غالبًا — يختاره أن يخفيه.
هؤلاء لا يغيّرون العالم بالصوت، بل بالتراكم الهادئ للطيبة.
وإذا كان لكل إنسان ظلّ، فظلّهم أطول من أجسادهم،
لأنهم يقفون دومًا في ضوء الآخرين، لا في ضوء أنفسهم.






المزيد
-سَــأُريك من أنــا بقلــم شــاهينـــاز مـحمــد
هذه رحلتي وعدت بقلم مريم الرفاعي
عطر القلوب بقلم فلاح كريم احمد