مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم الكاتب هانى الميهى

من أين تُقاد؟

 

كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر

 

الكاتب هانى الميهى

 


 

الفصل الرابع عشر: حين يفقد الإنسان صوته

 

ليس أصعب ما يمكن أن يحدث للإنسان

أن يفشل.

 


 

ولا أن يتعثر.

 


 

ولا حتى أن يضيع منه طريق كان يحلم به.

 


 

الأصعب أحيانًا…

 

أن يعيش عمره كله

بصوت لا يشبهه.

 


 

أن يتكلم كثيرًا…

 

لكن ليس بما يؤمن به.

 


 

أن يختار…

 

لكن وفق ما يريده الآخرون.

 


 

أن يعيش حياة كاملة…

 

ثم يكتشف متأخرًا

أن معظمها لم يكن اختياره.

 


 

في البداية،

لا يحدث ذلك دفعة واحدة.

 


 

لا يستيقظ الإنسان صباحًا

فيقرر التخلي عن نفسه.

 


 

بل تبدأ الحكاية بأشياء صغيرة جدًا.

 


 

رغبة في القبول.

 


 

وخوف من الرفض.

 


 

وحاجة إلى الانتماء.

 


 

ورغبة طبيعية

في أن يكون مثل الآخرين.

 


 

فيتنازل عن رأي هنا.

 


 

ويؤجل رغبة هناك.

 


 

ويخفي جزءًا من شخصيته

في مكان آخر.

 


 

حتى تمر الأمور بسلام.

 


 

ومع الوقت…

 

تتحول التنازلات المؤقتة

إلى أسلوب حياة.

 


 

يعتاد الإنسان

أن يسأل نفسه دائمًا:

 

ماذا يريد الناس؟

 


 

قبل أن يسأل:

 

ماذا أريد أنا؟

 


 

يصبح مشغولًا

بإرضاء الصورة.

 


 

أكثر من اهتمامه بالحقيقة.

 


 

في عصرنا الحالي،

أصبحت هذه المشكلة أكثر تعقيدًا.

 


 

لأن الإنسان لم يعد يعيش

أمام دائرة صغيرة من الناس فقط.

 


 

بل أمام العالم كله.

 


 

كل يوم.

 


 

وكل ساعة.

 


 

وكل دقيقة.

 


 

هناك دائمًا من يخبره

كيف يجب أن يكون.

 


 

كيف ينجح.

 


 

كيف يفكر.

 


 

كيف يعيش.

 


 

كيف يبدو.

 


 

وكيف يقيس نفسه.

 


 

حتى أصبح الضجيج

أعلى من الصوت الداخلي.

 


 

ولهذا…

 

لم يعد كثير من الناس

يعرفون الفرق بين رغباتهم الحقيقية

والرغبات التي زرعها فيهم الآخرون.

 


 

هل هذا حلمي فعلًا؟

 


 

أم حلم رأيته يتكرر كثيرًا

حتى ظننته حلمي؟

 


 

هل هذا اختياري؟

 


 

أم اختيار خفت أن أخالفه؟

 


 

هل هذا الطريق يشبهني؟

 


 

أم أنني فقط

أسير فيه لأن الجميع يسيرون فيه؟

 


 

أسئلة بسيطة.

 


 

لكنها تغيّر حياة كاملة.

 


 

لأن الإنسان حين يفقد صوته،

لا يفقد الكلمات فقط.

 


 

بل يفقد الاتجاه.

 


 

يصبح قادرًا على الحركة…

 

لكن ليس على الشعور.

 


 

قادرًا على الإنجاز…

 

لكن ليس على الرضا.

 


 

قادرًا على إقناع الجميع…

 

إلا نفسه.

 


 

وهنا تبدأ المفارقة المؤلمة.

 


 

كلما ابتعد عن نفسه أكثر،

احتاج إلى تصفيق أكثر.

 


 

وكلما احتاج إلى تصفيق أكثر،

ابتعد عنها أكثر.

 


 

حلقة لا تنتهي.

 


 

ولهذا ترى أحيانًا

أشخاصًا حققوا ما يتمناه غيرهم.

 


 

لكنهم من الداخل

لا يشعرون أنهم يعيشون حياتهم.

 


 

كأن شخصًا آخر

كتب السيناريو بالكامل.

 


 

وترك لهم دور التنفيذ فقط.

 


 

الحياة لا تطلب من الإنسان

أن يكون مختلفًا طوال الوقت.

 


 

ولا أن يعارض الجميع.

 


 

ولا أن يعيش منعزلًا عن الناس.

 


 

لكنها تطلب منه شيئًا واحدًا:

 

ألا يفقد نفسه

وهو يحاول أن يجد مكانًا بين الآخرين.

 


 

فما قيمة الوصول…

 

إذا وصلت إلى مكان

لا يشبهك؟

 


 

وما قيمة النجاح…

 

إذا اضطررت كل يوم

أن ترتدي شخصية أخرى

لكي تحافظ عليه؟

 


 

النضج الحقيقي

ليس أن يسمع الإنسان صوته فقط.

 


 

بل أن يمتلك الشجاعة

ليحترمه.

 


 

أن يعترف بما يحب.

 


 

وما لا يحب.

 


 

وما يناسبه.

 


 

وما لا يناسبه.

 


 

حتى لو خالف ذلك

بعض التوقعات.

 


 

فالعالم سيظل مليئًا بالأصوات.

 


 

والنصائح.

 


 

والآراء.

 


 

والنماذج الجاهزة.

 


 

لكن الحياة في النهاية

لن يعيشها أحد بالنيابة عنه.

 


 

وسيأتي يوم

يقف فيه وحده أمام نفسه.

 


 

لا أمام الناس.

 


 

ولا أمام الصور.

 


 

ولا أمام التصفيق.

 


 

أمام نفسه فقط.

 


 

وساعتها…

 

لن يسأل:

 

هل أرضيت الجميع؟

 


 

بل سيسأل:

 

هل كنت صادقًا مع نفسي؟

 


 

وربما لهذا…

 

فإن أخطر أنواع الضياع

ليس أن تفقد الطريق.

 


 

بل أن تفقد صوتك

وأنت تسير فيه.

 


 

رسالة الفصل:

 

من السهل أن يسمع الإنسان أصوات العالم، لكن الأصعب أن يحافظ على صوته هو وسط هذا الضجيج.

 

تمهيد الفصل القادم:

 

وبعد رحلة طويلة بين الخوف، والاحتياج، والتعلق، والهروب، والماضي، والضغوط…

 

يقترب الكتاب من سؤاله الأخير:

 

إذا عرفت ما كان يقودك طوال هذه السنوات…

فكيف تعيش بقية الطريق بوعي؟

 

الفصل الخامس عشر: الطريق الذي تختاره أنت