📖 كتاب: شفرة الخلق
✍ الكاتب: هانى الميهى
الفصل الخامس عشر: حيث ينتهى الشكل وتبدأ الحقيقة
الجزء الرابع: انكشاف المركز وصعود الوعى الأخير
لمّا بلغ الكائنُ أعمق نقطةٍ فى رحلته،
لم يجد نورًا ساطعًا ولا سرًّا مُحاطًا بالرهبة،
بل وجد هدوءًا مطلقًا؛
هدوءًا لا يشبه سكون الليل،
ولا يشبه صمت الجبال،
بل سكونًا تتراجع أمامه كلّ الحواس،
وتنكشف فيه الطبقة الأولى للوجود
كأنّها النبضة التى سبقت كل نبضة.
هناك أدرك أنّ الإنسان لا يصل إلى الحقيقة بالركض نحوها،
بل بالوقوف فى مركزه الداخلى
حيث لا ظلّ ولا خوف،
ولا طموح يشوّه البصيرة،
ولا رغبة تربط الروح بما يفنى.
وفى هذا المركز
لم يعد الزمن نهرًا يجرى إلى الأمام،
ولا المكان رقعةً موزّعة على الجهات؛
بل أصبح كل شىء يحدث آنًا،
كما لو أنّ الكون بأسره
يمارس فعل الوجود فى اللحظة نفسها
التى يمارس فيها الصمت.
ومع ذلك الاتساع الهائل،
انكشفت له المفارقة الكبرى:
أنّ الحقيقة ليست نهاية الرحلة،
بل بدايتها الأولى،
وأنّ الإنسان لم يكن يبحث عن شىءٍ خارج عنه،
بل عن صدى روحه
الذى ظلّ يسمعه من بعيد
حتى أدرك أنّه الصوت الذى ينبعث من داخله.
كان يشعر أنّ كلّ ما رآه
وكلّ ما تعلّمه،
وكلّ بابٍ فتحه،
لم يكن سوى دوائر تقوده نحو نقطةٍ
واحدةٍ لا تتجزأ،
كأنّ الوجود كلّه
بُنى ليعيد الإنسان إلى نفسه،
لا ليبعده عنها.
وهنا، فى لحظةٍ واحدة
تساوت فيها الرؤيا بالصمت،
والنور بالظل،
والشكل بالفكرة،
أدرك الكائن أنّ الخلق لم يُكتب ليُفهم،
بل ليُعاش.
وأنّ المعرفة التى لا تغيّر الإنسان
ليست معرفة،
والرحلة التى لا تعيده إلى أصله
ليست طريقًا،
والحقيقة التى لا تهذّب فيه إنسانيته
ليست حقيقة.
وحين خرج من عمق النواة،
لم يعد كما دخل؛
فقد ترك خلفه صوره القديمة،
وأحمالًا ظنّ أنّها جزءٌ منه،
وأسئلةً ظلّ يكررها دون أن يسمع صداها.
خرج وقد صار أوسع من ذاته،
وأهدأ من خوفه،
وأقرب إلى المعنى الذى خُلق لأجله.
هكذا انتهى الفصل،
لكنّ الرحلة ذاتها
لم تنتهِ بعد؛
فكلّ اقترابٍ من الحقيقة
يفتح بابًا جديدًا للخلق،
وكلّ كشفٍ جديد
يمحو يقينًا كان يظنّه نهائيًا.
ولعلّ الحكمة الكبرى التى خرج بها
أنّ الكون لا يمنح سره لمن يبحث عن الإجابات،
بل لمن يستحقّ الأسئلة.
#شفرة_الخلق
#هانى_الميهى






المزيد
ما يشبهك في قلبي بقلم الكاتب هانى الميهى
الجميعُ ثائر بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
أرض الفيروز بقلم عبير عبد المجيد الخبيري