للكاتب / عمرو شعيب
لا شيء يعرّي الإنسان كما تفعل المعاناة. فحين يدخل الألم إلى حياته، لا يعود قادرًا على ارتداء الأقنعة التي اعتاد أن يخدع بها نفسه أو الآخرين. يذوب التكلّف، ويتراجع الادعاء، وتتساقط الصور التي صنعها لنفسه عبر سنوات. فجأة يجد المرء نفسه واقفًا أمام ذاته العارية، بلا حماية، بلا تبريرات، بلا زخارف. وكأن الألم يملك سلطة تشبه سلطة الضوء: يكشف، ويُظهر، ويُعيد تشكيل ما اعتقدنا أنه ثابت فينا.
من السهل أن نظن أننا نعرف أنفسنا حين نكون في حالة راحة، لكن الراحة تُغطي أكثر مما تكشف. في لحظات السكينة نظهر بالصورة التي تمنحنا الشعور بالتماسك، أما في لحظات القسوة فنظهر بالصورة التي نكون عليها فعلاً. إن الألم يُعيد ترتيب وعينا بطريقة عجيبة؛ فهو يكشف طبقات النفس واحدة تلو الأخرى، كما لو أن الذات ليست كيانًا واحدًا بل طبقات من الذاكرة والخوف والرجاء والغرائز والمبادئ المتصارعة.
وقد تكون أولى الحقائق التي يكشفها الألم هي حقيقة هشاشتنا. إذ يظن الإنسان أنه قوي لأنه لم يُختبر بعد. يظن أنه متماسك لأنه لم يتعرض للرياح التي تختبر جذور الشجر. لكن حين تأتي المعاناة، يدرك أن القوة التي ظنها أصلية كانت مجرد راحة مؤقتة، وأن الصلابة التي كان يُباهي بها لم تكن سوى غيابًا للاختبار. هذه الصدمة الأولى ليست هزيمة؛ إنها بداية المعرفة.
ثم يكشف الألم حقيقة أخرى: أننا لا نعرف ما نريد إلا عندما نفقده. فكثيرًا ما نعيش حياتنا بقدر من العشوائية، نتمسك بأشياء لا نعرف قيمتها، ونهمل أشياء لا ندرك أهميتها، حتى يأتي الألم ليفتح أعيننا. فمن خلال الفقد فقط نعرف قيمة ما فقدناه، ومن خلال الخذلان نعرف معنى الولاء، ومن خلال الغياب نفهم معنى الحضور. كأن الألم يعيد ترتيب سلّم الأولويات في داخلنا، فيُبرز ما هو جوهري ويُسقط ما هو ثانوي.
لكن المعاناة لا تكشف فقط ما يهمّنا، بل تكشف أيضًا ما نخافه. فكل خوف دفين يجد طريقه إلى السطح عندما نتألم: الخوف من الوحدة، من الرفض، من الفناء، من العجز، من المستقبل. لقد صنعنا لأنفسنا على مدار العمر آليات دفاعية تُبعد عنا رؤية هذه المخاوف: الانشغال المستمر، العلاقات السطحية، النجاح المهني، وحتى الطموح المبالغ فيه. غير أن الألم يوقف كل ذلك، ويجبرنا على مواجهة تلك الهوة الداخلية التي تهرب منها النفس عادة.
وفي مثل هذه اللحظات ينشأ سؤال جوهري: هل الألم يكشف حقيقتنا أم يصنعها؟ يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يمسّ جوهر التجربة الإنسانية. والحقيقة أن الألم لا يصنع شيئًا من العدم، بل يكشف ما كان موجودًا بالفعل. إنه يرفع الغطاء، يزيل الغبار، يضيء الأماكن المظلمة. إنه يكشف عن شجاعة لم نكن نعلم أن لدينا بذرتها، وعن ضعف لم نكن نريد الاعتراف به، وعن طيبة كنا نخفيها وراء قسوة مفتعلة، أو قسوة كنا نغطيها بستار من اللطف.
ومع ذلك، فإن كشف الألم لا يكون دائمًا مريحًا، بل قد يكون مؤلمًا بحد ذاته. فمن أصعب التجارب التي يمر بها الإنسان أن يدرك أنه ليس الشخص الذي ظنه. أن يرى في داخله غضبًا متوحشًا أو حسدًا مخفيًا أو ضعفًا عميقًا. غير أن هذا الإدراك، رغم قسوته، هو بداية التحول. فلا يمكن للمرء أن ينضج دون أن يرى نفسه بوضوح، ولا يمكن أن يتغير دون أن يعترف بحقيقته، حتى ولو كانت هذه الحقيقة موجعة.
وهنا تظهر الوظيفة الأخلاقية للألم: إنه يعطينا فرصة نادرة لمراجعة أنفسنا. فالمعاناة تكسر الغرور الذي نحمله معنا، وتفتت الصورة المثالية التي نرسمها لأنفسنا، وتكشف تناقضاتنا التي كنا نتغاضى عنها. وما إن نقف أمام مرآة الألم حتى نصبح مستعدين لإعادة بناء ذواتنا بطريقة أكثر صدقًا.
لكن هناك ما هو أعمق من ذلك: الألم يكشف لنا علاقتنا بالآخرين. فحين نتألم نعرف من يقف معنا ومن يبتعد، ومن يحبنا حبًا حقيقيًا ومن كان وجوده مجرد عادة اجتماعية. ومن خلال هذا الاختبار تُظهر العلاقات حقيقتها: البعض يبقى لأن الرحيل لا يليق به، والبعض يرحل لأن البقاء يكشف زيفه. وهكذا لا يكتفي الألم بكشف ذواتنا، بل يكشف أيضًا العالم الذي ننتمي إليه.
وحتى أشد تجارب المعاناة قسوة – تلك التي نعتقد أنها ستكسرنا – تحمل داخلها لحظة كشف. لحظة ندرك فيها أن الألم ليس خصمًا بل رسالة، ليس نهاية بل بداية، ليس عثرة بل بوابة. إن الإنسان الذي خرج من الألم ليس هو الإنسان الذي دخل فيه؛ يصبح أكثر فهمًا لنفسه، أكثر وعيًا بمخاوفه، أكثر صدقًا في علاقاته، وأكثر قدرة على رؤية الحقيقة دون زيف.
وهكذا تُصبح المعاناة مرآة لا نختار النظر فيها، لكنها حين تُرفع أمامنا تُجبرنا على رؤية أنفسنا بطريقة لم نختبرها من قبل. ومن خلال هذا الكشف يبدأ الإنسان في التحول، لأن كل معرفة حقيقية بالذات تفتح طريقًا نحو التغيير، وكل تغيير يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في الخارج. وفي النهاية، حين نخرج من الألم، نكتشف أننا لم نكن نعرف أنفسنا حقًا إلا بعد أن رأيناها في تلك اللحظة القاسية من الانكشاف التام.






المزيد
رياح التغيير تدق أجراسها/ بقلم/ الكاتبة/سعاد الصادق
الكاتب علاء فرحات.. رحلة إبداعية أثرت مكتبة دار نبض القمة
المشهد يتكرر.. فهل نتعلم أم نُصفِّق من جديد؟