بقلم: وهيبة جمال عبد الكريم
لا أكتب هذا المقال من موقع خبير أكاديمي معزول، بل من موقع من يراقب ما يحدث داخل القسم من خلال متابعتي اليومية اللصيقة للواقع التعليمي، ومن يرى شيئاً في بنيتنا المنظومية صار مرهقاً للجميع دون استثناء؛ للتلميذ الذي يحاول الفهم وسط تراكم الدروس، وللأستاذ الذي يسابق الزمن لإتمام البرنامج وسط ضغط لا ينتهي.
لسنا هنا أمام مشكلة معزولة، بل نحن أمام حلقات متداخلة، كل واحدة منها تزيد الأخرى ثقلاً وعمقاً.
أولاً: مناهج تتضخم… ووقت لا يسعها
لا أحد ينكر أهمية المحتوى الدراسي وغزارته، لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل يراعي هذا الكم المعرفي المتزايد قدرة التلميذ الفعلية على الاستيعاب والفهم العميق؟
في كثير من الأحيان، يبدو الهدف الأساسي للمنظومة هو إنهاء البرنامج الدراسي في الوقت المحدد إدارياً أكثر من ضمان ترسيخ الفهم لدى التلميذ، وهنا يكمن الإرهاق الصامت.
الأستاذ: يسرع ويحاول تغطية أكبر قدر ممكن من الدروس تجنباً للمساءلة.
التلميذ: يحاول فقط اللحاق بما يقال دون استيعاب حقيقي.
وفي النهاية، لا يكتمل الفهم حتى لو انتهى الدرس؛ لنتجه بوعي أو بدون وعي نحو اختزال نجاح العملية التعليمية في “إنهاء المقررات”، لا في مدى تحقق الفهم الفعلي لدى التلميذ.
ثانياً: الاكتظاظ… المشكلة التي لا تُرى من الخارج
من الخارج قد يبدو المشهد هادئاً وعادياً: مؤسسة، قسم، طاولات، تلاميذ، وأستاذ. لكن داخل هذا المشهد البسيط، تختبئ تفاصيل لوجستية وتربوية معقدة؛ حيث يغدو الحديث عن “تعليم فعّال” داخل قسم يضم أربعين تلميذاً أو يزيد، أمراً مجافياً للواقع تماماً.
في ظل هذه الظروف الضاغطة:
1. يصبح التواصل الفردي بين الأستاذ وتلميذه شبه مستحيل.
2. يُختزل التقييم التربوي في “نقاط وأرقام جافة” بدل المتابعة السلوكية والمعرفية.
الاكتظاظ لا يستنزف طاقة الأستاذ الجسدية والعصبية فحسب، بل يضعف التلميذ أيضاً؛ لأنه يحرم البيئة التعليمية من أبسط شروطها الأساسية: الانتباه، الحوار، والتفاعل. وأمام هذا الواقع، نكتشف أن جودة التعليم ترتبط ارتباطاً مباشراً ببنية المؤسسات والمنشآت أكثر من ارتباطها بمجرد جهود المعلمين الشخصية.
ثالثاً: التعليم بين الكفاءة والوظيفة
وهنا نصل إلى أكثر الإشكالات حساسية في المنظومة التعليمية، وهي مسألة الكفاءة التربوية والتأهيل. فالتعليم ليس مجرد منصب وظيفي يحقق أماناً مالياً، بل هو مسؤولية معرفية وأخلاقية تتطلب تكويناً بيداغوجياً عميقاً وشخصية ملهمة ومؤثرة.
حين يدخل بعض الممارسين إلى القطاع باعتباره مأمناً وظيفياً فقط، دون استعداد بيداغوجي كافٍ أو اقتناع ذاتي برسالة التعليم السامية، تتأثر جودة الأداء بشكل مباشر في الميدان.
وليس من الإنصاف التعميم مطلقاً؛ فهناك أساتذة يبذلون مهجهم ويؤدون عملهم بإخلاص منقطع النظير، لكن في المقابل، هناك من دخل المجال كخيار وظيفي متاح أكثر منه اختياراً تربوياً واعياً. والنتيجة تظهر بوضوح داخل الأقسام: تفاوت حاد في الأداء، وفي القدرة على التأثير، وفي طرق احتواء التلميذ نفسياً ومعرفياً.
المطلوب هنا هو إعادة بناء معايير الاختيار، التكوين المستمر، والمتابعة، بما يضمن أن يكون الأستاذ عنصراً فاعلاً ملهماً، لا مجرد منفذ آلي للبرنامج.
خارطة الطريق: ما الذي يمكن إنقاذه فعلًا؟
إن أي حديث عن تطوير المنظومة التربوية دون معالجة جذرية لمشكلتي الاكتظاظ وتضخم المناهج، وإعادة الاعتبار للتكوين الجاد، سيبقى حديثاً ناقصاً يدور في حلقة مفرغة. قد تكون الحلول كلاسيكية ومعروفة، لكن الإرادة في تطبيقها هي التحدي الحقيقي:
توسيع الفضاءات: بناء وحدات وأقسام جديدة للحد من ظاهرة الاكتظاظ المزمن.
تخفيف المقررات: إعادة هيكلة البرامج لتوازن بين المعرفة العصرية والقدرة الاستيعابية للعمر الزمني للتلميذ.
الاستثمار في المعلم: تعزيز التكوين البيداغوجي المستمر وتحسين آليات التوظيف والتقييم المهني الدوري.
الإصلاح التربوي ليس فكرة منمقة على الورق، وليس قراراً إدارياً فوقياً وسريعاً، بل هو مسار وطني طويل يتطلب رؤية واقعية وشجاعة في مواجهة مكامن الخلل.
تساؤل ختامي:
التعليم في جوهره ليس مجرد برنامج يُنجز، بل هو علاقة إنسانية ومعرفية يجب أن تحافظ على روحها وجوهرها قبل أي شيء آخر. وحين يرهق النظام كل أطرافه (أستاذاً وتلميذاً)، يصبح السؤال الاستراتيجي مشروعاً ومستحقاً: هل نعلّم أبناءنا فعلًا، أم نمرّ على البرنامج مروراً إدارياً بارداً؟
ذلك هو السؤال الذي يشكل ملامح المجتمع وهو يكوّن ذاته ومستقبله.






المزيد
تخفيف الضغوط النفسية: استراتيجيات علمية لاستعادة التوازن
الدليفري… بين لقمة العيش وإيذاء الناس
السيدة الحرة.. المرأة التي حكمت البحر والمدينة