مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بخير بقلم الكاتب هانى الميهى

بخير
الكاتب هانى الميهى

الفصل الثانى
من كتاب كل هذه القوة تجعلنى أختنق

ليست كل الكلمات تُقال لكى تُفهم.

بعضها يُقال لكى ينتهى الحديث.

وكلمة “بخير” واحدة من أكثر الكلمات التى أُرهقت فى حياتنا.

كلمة قصيرة.

خفيفة على اللسان.

سريعة العبور.

لكنها فى أحيان كثيرة لا تحمل معناها الحقيقى.

نقولها ونحن متعبون.

ونقولها ونحن حائرون.

ونقولها بينما يسير داخلنا ما لا يشبه الخير فى شىء.

ومع ذلك تخرج الجملة جاهزة، كأنها جزء من الطقوس اليومية التى تعلمناها دون أن نشعر.

كيف حالك؟

بخير.

هل كل شىء على ما يرام؟

بخير.

هل هناك ما يزعجك؟

لا، بخير.

ثم ينتهى الحوار.

وتبقى الحقيقة فى مكانها.

لم تتحرك.

لم تُمس.

كأن الكلمة لم تُخلق لكى تصف ما نشعر به، بل لكى تحرسه.

الغريب أن الإنسان لا يكذب دائمًا حين يقول إنه بخير.

فى أحيان كثيرة يكون صادقًا بقدر ما يستطيع.

لأن المشاعر ليست أبوابًا مغلقة أو مفتوحة.

ليست أبيض أو أسود.

قد يكون متعبًا وبخير فى الوقت نفسه.

حزينًا وبخير.

ممتلئًا بالأسئلة وبخير.

لكن المشكلة ليست هنا.

المشكلة حين تتحول الكلمة إلى ملجأ دائم.

حين تصبح ستارًا نختبئ خلفه كلما اقترب أحد من مناطقنا الحساسة.

فنستخدمها لا لأننا بخير.

بل لأن شرح ما بداخلنا يبدو أطول من قدرتنا على الكلام.

هناك أوقات لا يكون فيها الصمت سببه الخوف.

بل الإرهاق.

إرهاق الشرح.

إرهاق البحث عن كلمات مناسبة.

إرهاق إعادة الحكاية للمرة العاشرة وكأنها حدثت بالأمس.

ولهذا يختصر الإنسان كل ما يشعر به فى كلمة واحدة.

ليس لأنها كافية.

بل لأنه لم يعد يملك طاقة التفاصيل.

كم مرة سألنا أحدهم عن حاله، فأجاب سريعًا:

“بخير.”

ثم شعرنا أن شيئًا فى صوته لا يشبه الكلمة؟

شيئًا صغيرًا لا يمكن وصفه.

ترددًا عابرًا.

هدوءً زائدًا.

ابتسامة جاءت متأخرة.

أو نظرة هربت سريعًا إلى مكان آخر.

أحيانًا لا تكشفنا الكلمات.

بل تكشفنا المسافات الصغيرة بينها.

فالقلب له طريقته الخاصة فى الكلام.

حتى عندما يلتزم الصمت.

ومع ذلك، نستمر جميعًا فى اللعبة نفسها.

نسأل.

ونجيب.

ونمضى.

كأننا عقدنا اتفاقًا غير معلن على احترام الأبواب المغلقة.

لا أحد يقترب أكثر مما ينبغى.

ولا أحد يفتح ما لا يريد فتحه.

ولا أحد يعترف أن السؤال كان أعمق من الإجابة.

ربما لأننا نخاف مما قد نجده خلف الأبواب.

فالإنسان لا يخشى البوح دائمًا.

أحيانًا يخشى أن يكتشف حجم ما بداخله إذا بدأ الكلام.

هناك أحزان يمكن السيطرة عليها ما دامت صامتة.

لكنها تبدو أكبر حين تُقال.

وهناك مخاوف تظل محتملة ما دامت حبيسة الداخل.

لكنها تصبح حقيقية عندما تخرج إلى الضوء.

ولهذا يؤجل كثيرون المواجهة.

ليس مع الناس.

بل مع أنفسهم.

ويعيشون سنوات طويلة تحت عناوين مختصرة.

“بخير.”

“لا بأس.”

“سيمر الأمر.”

بينما كانت هناك قصص كاملة تختبئ خلف كل جملة.

قصص لم تجد الوقت المناسب.

أو الشخص المناسب.

أو الشجاعة المناسبة.

وفى زحام الأيام يعتاد الإنسان الأمر.

يعتاد أن يمر بجوار نفسه دون أن يتوقف.

يعتاد أن يؤجل ما يشعر به إلى موعد آخر.

ثم يؤجل الموعد نفسه.

ثم ينسى أن هناك شيئًا كان يحتاج إلى الانتباه.

حتى يفاجئه التعب فى لحظة عادية جدًا.

ليس بعد كارثة.

ولا بعد خسارة كبيرة.

بل فى يوم يشبه كل الأيام.

كأن المشاعر التى تجاهلها طويلًا قررت أن تذكره بوجودها.

فالقلوب تشبه البيوت القديمة.

قد تبدو متماسكة من الخارج سنوات طويلة.

لكن الشقوق الصغيرة التى لا يراها أحد تظل تتسع فى صمت.

ولهذا لا تكون المشكلة دائمًا فى ما نشعر به.

بل فى ما نهمله منه.

فى الأشياء التى نعتبرها بسيطة حتى تكبر.

وفى الأسئلة التى نؤجلها حتى تصبح أثقل من الإجابة.

وربما لهذا لا يحتاج الإنسان فى بعض المراحل إلى من يمنحه الحلول.

بل إلى من يمنحه المساحة.

المساحة التى تسمح له أن يكون كما هو.

دون أن يشرح كثيرًا.

ودون أن يدافع عن تعبه.

ودون أن يشعر أنه مطالب بالتماسك طوال الوقت.

فليست كل القلوب تبحث عن النجاة.

بعضها يبحث فقط عن مكان آمن تضع فيه حملها قليلًا.

وعندما تجده…

تكتشف أن كلمة “بخير” لم تكن حقيقة كاملة يومًا.

كانت مجرد جسر قصير نعبر به فوق أشياء أطول من أن تُحكى.

وربما لهذا السبب لا يكون السؤال الأهم فى الحياة:

هل أنت بخير؟

بل:

كم مرة قلت إنك بخير…

بينما كنت تحتاج إلى شىء آخر تمامًا؟


رسالة الفصل

ليست المشكلة فى الكلمات التى نقولها.

بل فى الحقائق التى ندفنها تحتها حتى لا يراها أحد.


تمهيد الفصل القادم

ليست كل الدموع التى لم تنزل قد جفّت.

بعضها ما زال ينتظر لحظة يشعر فيها صاحبه أنه لم يعد مضطرًا إلى التماسك.

دموع مؤجلة.