مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب شفرة الخلق بقلم هاني الميهي

📖 كتاب: شفرة الخلق

✍ الكاتب: هانى الميهى

🕯 الفصل الخامس عشر: حيث ينتهى الشكل وتبدأ الحقيقة

🧩 الجزء الثالث: انكشاف المعنى خلف ستار الوجود

 

لم يكن انفتاح البصيرة نهايةً لرحلته،

بل بداية لسفرٍ أعمق،

فما إن اتّسعت رؤيته للوجود

حتى بدأ يلمح ما هو أعمق من الوجود نفسه.

هناك… خلف الخطوط التى ترسم العالم،

تكمن شبكةٌ دقيقة من المعانى،

تتداخل كما تتداخل جذور الأشجار فى باطن الأرض،

تتغذّى بعضها من بعض،

وتدعم بعضها،

حتى وإن بدت على السطح متباعدة لا يربطها رابط.

وفى لحظة صفاءٍ نادرة،

شعر أنّ الحقيقة لا تُمنح لمن يطاردها،

بل لمن يتخفّف من صخبه

حتى يصبح فى داخله من السكون

ما يسمح لها أن تنزل فيه.

فالحقيقة — كما أدرك —

لا تزور الأماكن المزدحمة،

ولا تقترب من النفوس التى تتشبث بظلالها،

بل تبحث عن القلب الذى يجرؤ على النظر فى عمقه

دون خوفٍ من أن يرى ما لم يتوقعه.

ومع اتساع هذا الإدراك،

بدأ الزمن يفقد حدّته فى وعيه؛

لم يعد الماضى خلفه

ولا المستقبل أمامه،

بل أصبح كلاهما دائرةً واحدة تتداخل أطرافها،

تتكرر فيها التجارب بأشكالٍ مختلفة

حتى يفهم الإنسان درسها الأخير،

فلا يعود محتاجًا لتكرارها مرة أخرى.

ثم انكشف له سرّ آخر:

إنّ الكون بأسره

ليس مبنيًا على المصادفات كما يظن البشر،

ولا على الحتميات كما يظن العلماء،

بل على توازنٍ محكم

بين الإرادة والقدر،

بين ما يختاره الإنسان،

وما يُختار له.

فالإنسان لا يملك كل الطرق،

ولا يُسلب كل الطرق،

بل يُمنح طريقًا واحدًا

يمتحن صدقه فى السير عليه.

وفى تلك اللحظة،

شعر أنّ روحه أصبحت شفافة بما يكفى

لترى ما وراء نفسها؛

لم يرَ نورًا ولا ظلمة،

بل رأى “المعنى” ذاته،

عارٍ من الأشكال،

مجرّدًا من الرموز،

يُشرق فى داخله

كما يشرق الفجر من غير شمس.

وقال فى سرّه:

“إذا كان الشكل هو ما يبدؤه الخلق،

فإن الحقيقة هى ما يختمه.”

ثم تابع بطمأنينةٍ لم يعهدها:

“وما بين البداية والنهاية،

يسير الإنسان حاملًا معناه،

ولو ظنّ أنه يسير بحثًا عنه.”

 

#شفرة_الخلق

#هانى_الميهى