مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قيود إيجابية

كتب:محمد صالح 

 

المجتمع ينشأ علي ترابط يتشبع بكمية من القيم والمبادئ والمعتقدات، وتنشأ الأسرة في جو من الحرية التي تحدها عدد من القيود واللوائح الصارمة للحركة داخل وخارج المملكة، وينشأ الإنسان نفسه وهو يضع قيود يرتضيها لنفسه، يمشي بها ويضعها دستورًا لحياته.

القيود الإجتماعية هي الكبري وتمثل مرجعية إجتماعية هامة بغرض تحقيق أهداف المجتمع، وتحقيق تحوله وتغيره الإيجابي، وآداء رسالة الحياة، وهي قيود تهدف إلى تثبيت الهيكل العام الذي يجب أن يمشي عليه المجتمع، ويستمد الآخرين منه مبادئهم، ما يمثل قوام الحياة.

الرجل في المجتمع الشرقي له حرية كبيرة في ممارسة حياته وفقًا لهذه القيود، إلا أنه نظل هذه القيود تمثل خيارات وصوله والعقل الجمعي لقواعد التعاون معه والترابط؛ تشكل قيود واعية له الحق في إختيار ما يحقق أمنياته من عدمه، وهي مرنة تجاهه نسبة لإتاحة الحركة الواسعة له، ولأنه يشكل حماية لأسرته وبالتالى أعطي هذا البراح، والقيود الواسعة حينما تضيق للرجل كالقيود القانونية فهي تضبطه وتوجهه في الإطار الصحيح وتحمي المصالح لدي الآخرين، وبالتالي فهي قيود إيجابية.

المرأة تحاصرها هذه القيود قليلًا، وتحاول جاهدة في توسيعها، ويظل هذا الجهد في إتجاه جيد لتصل للحد المعقول، ولكن حينما يزيد هذا الجهد ليصل لدرجة المقاومة، فهذا فيه ضغط عليها وتحملها ما لا تطيق، كما ينحو بها هذا نحوًا سلبيًا، وينذرها بالخطر، فالقيود تجاه المرأة هي لحمايتها، فالمرأة تختلف عن الرجل، والمرأة نحن نحتاج لتوظيف قدراتها لإخراج أفراد مجتمع صالحين، وبالتالي لا نستطيع المخاطرة بإنقاص هذه القدرات أو التأثير عليها، ولذلك فالقيود المتعددة علي المرأة التي نراها هي في نظري قيود إيجابية، إذ أن الأسرة والمجتمع تنظر للمرأة كمربية وكأم وهذا يعزز حمايتها وفرض قيود علي حركتها وضيق هذه الحركة وعدم المجاملة في العبث بها.

الشباب من الجنسين القيود تجاههم الغرض منها توجيههم نحو غايات وأهداف المجتمع العليا، وعدم المساس بتصرف طائش لمكانة وقيم الأسرة، والرعاية لهم حماية وتوجيه في هذا الإتجاه، ورعاية نشاطاتهم وتحديدها لا يقصد بها فرض قيود علي حريتهم الشخصية، ولكن بقصد الحفاظ علي الحرية الفردية العامة وحرية المجتمع، وكذلك لتغذية الأفكار والتجارب في هذه الفترة نحو التوجهات الإجتماعية، وبالتالي فهي قيود إيجابية.

القيود المغلظة المفروضة علي الطفل هي قيود عالية الدقة وتحتاج لتخصص، فهي قيود إجتماعية مرسومة وموسومة بالكل الإجتماعي الذي يضع للطفولة نشأة إجتماعية مشبعة بالرياض المملوءة بأشعة بهية فاترة تغذي الطفل شيئًا فشيئًا، لتكون منظومة حافلة بالمشاركة والقوة والجودة، ولإخراج فرد يبني صحيًا وصحيحًا، فلذلك ينتج عنه قوة المستقبل، والمجتمع حينما يفرض هذه القيود فهي لحماية الطفل أولًا، ولتنشأته وتربيته علي قيم المجتمع، ولبناءه بطريقة ينتج منها فردًا صالحًا إجتماعيًا، في المستقبل فيخرج الطبيب والمحامي والقاضي والحاكم والفنان والكاتب والممثل، ويخرج الفني الماهر والعامل الذي يساعد في تحقيق الهدف وغيرهم، وهذا يعزز من هذه القيود ويجعلها ذات قيمة كبيرة.

فالقيود التي نراها تخنقنا، هي في الأساس قوة إيجابية إجتماعية توظف من أجل حياة المجتمعات في سلام، وتعطي لكل منا دوره وتحقق للمجتمع مكانة وتقدم.