مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قصص وحكايات “العصر الحجري الحديث في حضارة العراق القديمة”

بقلم/ عبدالرحمن غريب

 

نستكمل اليوم قصة حضارة العراق القديمة ورحلة العصور الحجرية. تحدثنا في المقال السابق عن العصر الحجري القديم/الأوسط، أما اليوم، فنروي حكاية العصر الحجري الحديث.

 

سُمّي “حديثًا” لأن الإنسان خلاله تعلّم الزراعة، وبنى البيوت، وصنع الأواني الفخارية، والتماثيل الصغيرة لإله الأمومة، والأسلحة. لكن المميز في هذا العصر حقًا هو الزراعة والاستقرار، وهنا تبدأ الحكاية…

 

في ذلك الوقت، عرف الإنسان الزراعة، ومن هنا بدأ الجدل بين العلماء والمؤرخين حول «الموطن الأول للزراعة»، وكان ذلك سبب الخلاف؛ إذ اكتُشفت الزراعة في عدّة مناطق، وفي توقيت متقارب، مثل وادي النيل في «حضارة مصر الفرعونية»، وجنوب غرب آسيا «بلاد ما بين النهرين».

وكانت الميزة التي وُجدت في مصر هي فيضان نهر النيل، الذي يأتي في أواخر الصيف وأوائل الخريف، وهو الوقت المناسب تمامًا لزراعة الحبوب الشتوية مثل القمح والشعير.

 

ولكي نستكمل القصة، يختصر العصر الحجري الحديث في حضارتين رئيسيتين في بلاد الرافدين: حضارة جرمو وحضارة تل حسونة، وهما تمثلان ذلك العصر بكل ملامحه.

 

أولًا: حضارة جرمو

 

تقع في سهل جمجمال، شرق العراق، قرب روافد نهر دجلة، على مساحة تقارب ٣ إلى ٤ فدّان، وتضم ١٦ طبقة أثرية متتالية، وتؤرَّخ بحوالي ٦٧٥٠ ق.م.

 

بلغ عدد سكانها حوالي ١٥٠ فردًا، موزعين على نحو ٢٥ منزلًا.

 

تُعدّ أقدم قرية زراعية معروفة في العراق القديم، وتمثل بداية الزراعة والاستقرار.

 

من أبرز الأدلة التاريخية: المناجل، الفؤوس الحادّة، الأجران، المواقد، إلى جانب استئناس الحيوانات مثل الماعز والكلاب، وزراعة القمح والشعير.

 

المنازل كانت تُبنى من الطين، وتُسوّى الحيطان بطبقة من الطين، وكان السقف يُغطّى بنفس المادة، والمنزل على شكل مستطيل.

 

عرف الإنسان فيها الغزل والحياكة.

 

كانت الأسلحة تُصنع من حجر الأوبسيديان، مثل الفؤوس.

 

وأكثر ما يُميّز هذه الحضارة هو تماثيل إله الأمومة، والتي كانت تُصوَّر على هيئة أنثى ذات ساقين متضخمتين، تجلس في وضع القرفصاء. وقد فسّر المؤرخون هذه التماثيل بأنها تعبير عن حب الإنسان القديم للخصوبة والزراعة والاستقرار.

 

ثانيًا: حضارة تل حسونة

 

تقع غرب نهر دجلة، قرب قرية الشورة.

 

يُرجّح أنها تأثرت كثيرًا بحضارة جرمو، وتم اكتشاف ١٧ طبقة أثرية فيها، ما يشير إلى حضارة مستقرة.

 

لم يُعثر فيها على أي معادن أو نحاس.

 

كانت منازلهم متطورة نسبيًّا، إذ زُوِّدت الحيطان بركائز داخلية للتدعيم.

 

كان يتم دفن الأموات أسفل المنازل، بما في ذلك الأطفال، وقد فسّر الأستاذ الدكتور “الناصري” ذلك بأن وجود هياكل عظمية للأطفال يرتبط بظاهرة التضحية البشرية، لاسترضاء القوى الإلهية المتمثلة في “إله الأمومة”، وقد صُنع لها تماثيل صغيرة بالفعل.

 

تم اكتشاف أكثر من ١٣٠ قبرًا في تل الصوان.

 

الأسلحة في حضارتي تل حسونة وجرمو كانت شبه متطابقة، ولا يوجد فرق واضح بينها.

 

خلاصة الحكاية:

 

العصر الحجري الحديث هو العصر الذي تعلّم فيه الإنسان الزراعة، وهو ما قاده إلى الاستقرار، وبناء المنازل، وصنع الأدوات والأسلحة، وارتباطه العاطفي بإله الأمومة.

كل هذه التحوّلات رسمت ملامح شخصية الإنسان القديم، ومهّدت الطريق لمرحلة جديدة…

وهي العصر الحجري النحاسي، والذي سنتحدث عنه في المقال القادم.