مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ثمن النجاة الأشياء التي خسرناها كي نستمر بقلم الكاتب هانى الميهى


الفصل الأول

الناجون لا يحكون كل شيء

أحيانًا ننظر إلى بعض الأشخاص بإعجاب، لأنهم تجاوزوا ما كان كفيلًا بإسقاط غيرهم. نراهم واقفين بعد العاصفة، فنظن أن الحكاية انتهت عند هذا الحد، وأن النجاة كانت انتصارًا كاملًا. لكن الحقيقة أن الناجون لا يحكون كل شيء، ليس لأنهم يخفون أسرارًا، بل لأن بعض التفاصيل لا تستطيع الكلمات حملها مهما حاولت.

فالإنسان حين يخرج من تجربة قاسية لا يخرج منها كما دخلها. قد ينجو بجسده، وتنجو أيامه القادمة، لكنه غالبًا يترك شيئًا منه في منتصف الطريق. يترك حلمًا لم يعد يملك رفاهية ملاحقته، أو ثقةً كانت تملأ قلبه قبل أن تعلّمه الحياة الحذر، أو جزءًا من براءته التي لم تستطع الصدمات أن تُبقيها كما كانت.

لهذا فإن النجاة ليست دائمًا قصة مكاسب، بل هي في أحيان كثيرة قصة خسائر صامتة. خسائر لا تظهر في الصور، ولا يتحدث عنها الناس عندما يهنئونك لأنك تجاوزت المحنة. الجميع يرى أنك عبرت، لكن قليلين فقط يسألونك عمّا فقدته أثناء العبور.

كم من شخص نجا من الفقر، لكنه ظل يحمل داخله خوفًا دائمًا من الأيام القادمة. وكم من شخص خرج من علاقة مؤلمة، لكنه لم يستطع أن يمنح ثقته كاملة بعد ذلك. وكم من إنسان تجاوز سنوات صعبة، ثم اكتشف أن التعب بقي فيه حتى بعد أن انتهت أسباب التعب.

الحياة لا تمنح النجاة مجانًا دائمًا. أحيانًا تطلب مقابلها أشياء عزيزة جدًا. تطلب منا أن نتخلى عن بعض الأحلام، وأن نؤجل بعض الرغبات، وأن نبتلع الكثير من الكلمات التي كنا نتمنى قولها. ومع الوقت نعتاد فكرة الاستمرار، فننسى أن نسأل أنفسنا: ماذا خسرنا ونحن نحاول البقاء؟

وربما لهذا السبب، عندما يجلس الإنسان مع نفسه في لحظة هدوء حقيقية، لا يتذكر فقط ما نجا منه، بل يتذكر أيضًا ما تركه خلفه. يتذكر النسخ القديمة من نفسه، والطرق التي لم يكملها، والأحلام التي كانت يومًا جزءًا من هويته. هناك يدرك أن النجاة لم تكن مجرد عبور من الألم إلى الأمان، بل كانت رحلة طويلة دفع خلالها ثمنًا لم ينتبه إليه إلا بعد سنوات.

هذا الكتاب ليس عن الجراح التي أسقطتنا، بل عن الأثمان التي دفعناها كي نظل واقفين. ليس عن الهزائم الواضحة، بل عن الخسائر الصامتة التي صاحبت محاولاتنا المستمرة للنجاة. لأن كل إنسان يحمل داخله قصة لا يرويها كاملة، وكل ناجٍ يعرف في أعماقه أن هناك أشياء كثيرة لم يصفق لها أحد، لأنها ببساطة لم تكن ظاهرة لأحد.

وربما يكون السؤال الأهم الذي سنحاول الإجابة عنه في هذه الرحلة كلها هو: إذا كانت النجاة نعمة عظيمة، فما الثمن الذي دفعناه لنحصل عليها؟