حين يقع القلب في شِباك الشاشة
بقلم/الكاتبة/ سعاد الصادق
في هذا العصر الذي اختصرت فيه التكنولوجيا المسافات، وأصبح الوصول إلى الآخرين لا يحتاج سوى ضغطة زر،
ظهرت ظاهرة باتت تثير الكثير من التساؤلات، وهي ما يُعرف بالحب عبر مواقع التواصل الاجتماعي. علاقات تبدأ بكلمة عابرة، أو تعليق لطيف، أو رسالة قصيرة، ثم تنمو شيئًا فشيئًا حتى يصبح شخص لم نره يومًا حاضرًا في تفاصيل أيامنا أكثر من أشخاص نلتقيهم كل يوم.
فهل هذا الحب حقيقي؟ أم أنه مجرد وهم صنعته الشاشات؟ وهل من المنطقي أن يتعلق الإنسان بشخص لم يلتقِ به وجهًا لوجه؟ وما الذي يقوله علم النفس حول هذه الظاهرة؟
الحقيقة أن المشاعر الإنسانية لا تعترف كثيرًا بالمسافات. فالقلب يتأثر بالكلمة، والعقل ينجذب إلى الفكرة، والروح قد تجد ألفة مع روح أخرى حتى وإن فصلت بينهما آلاف الكيلومترات. لذلك لا يمكن إنكار أن بعض العلاقات التي تبدأ عبر الإنترنت تحمل مشاعر صادقة بالفعل. فالإنسان بطبيعته يبحث عمن يفهمه، ويستمع إليه، ويمنحه الاهتمام والتقدير الذي قد يفتقده في محيطه الواقعي.
ومن منظور علم النفس، فإن التواصل المستمر وتبادل الأفكار والمشاعر يساهمان في بناء ما يُعرف بالارتباط العاطفي. فكلما زادت ساعات الحديث، وتكررت الرسائل، وشارك الطرفان تفاصيل حياتهما، نشأ شعور بالقرب والألفة حتى وإن لم يحدث لقاء مباشر. ولهذا نجد أن بعض الأشخاص يشعرون بالحزن أو الغيرة أو الشوق تجاه شخص لم يلتقوا به يومًا.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة.
ففي العلاقات الرقمية غالبًا ما يرى كل طرف الجزء الذي يختار الآخر إظهاره فقط. خلف الشاشة يستطيع الإنسان أن ينتقي كلماته، وأن يخفي عيوبه، وأن يقدم نسخة محسنة من ذاته. وهنا يحذر علماء النفس من ظاهرة “الصورة المثالية”، حيث يقع الإنسان أحيانًا في حب الصورة التي رسمها في خياله أكثر من وقوعه في حب الشخص الحقيقي.
ولأن الخيال يملأ الفراغات التي تتركها المعرفة الناقصة، قد يتحول الإعجاب إلى تعلق شديد مبني على تصورات وافتراضات لا على واقع ملموس. وعندما يحدث اللقاء الحقيقي، أو تنكشف الجوانب الأخرى من الشخصية، قد يكتشف أحد الطرفين أن الصورة التي أحبها لم تكن مطابقة للحقيقة.
كما أن بعض هذه العلاقات تنشأ نتيجة فراغ عاطفي أو وحدة نفسية أو حاجة إلى الاهتمام، فيصبح الشخص متعلقًا بالشعور الذي تمنحه العلاقة أكثر من تعلقه بالشخص نفسه. وهنا يصبح التمييز بين الحب الحقيقي والحاجة النفسية أمرًا بالغ الأهمية.
ومع ذلك، لا يمكن إصدار حكم واحد على جميع هذه العلاقات. فالتاريخ المعاصر يحمل قصصًا بدأت عبر الإنترنت وانتهت بزواج ناجح وعلاقات مستقرة، كما يحمل في المقابل قصصًا كثيرة انتهت بخيبة أمل أو صدمة أو استغلال للمشاعر. فنجاح العلاقة أو فشلها لا يرتبط بوسيلة التعارف وحدها، بل بصدق الأشخاص ونضجهم ووضوح أهدافهم وقدرتهم على الانتقال من العالم الافتراضي إلى الواقع الحقيقي.
إن الحب في جوهره ليس رسالة تُرسل، ولا صورة تُنشر، ولا عدد ساعات يقضيها شخصان في الحديث عبر الهاتف. الحب الحقيقي يُختبر حين تواجهه الحياة بواقعها، بمسؤولياتها، باختلافاتها، وبقدرة كل طرف على رؤية الآخر كما هو لا كما يتخيله.
لذلك يبقى السؤال الأهم ليس: هل يمكن أن نحب عبر مواقع التواصل الاجتماعي؟
بل: هل نعرف الشخص الذي أحببناه حقًا، أم أننا أحببنا الصورة التي رسمها لنا الخيال على شاشة مضيئة في ليلة طويلة من ليالي الوحدة؟
هناك، بين الحقيقة والوهم، وبين القلب والشاشة، تقف هذه الظاهرة الحديثة لتذكرنا بأن التكنولوجيا قد تقرّب المسافات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تكشف كامل الحقيقة الإنسانية……؟!






المزيد
أنوار/ الفكرة التي غيّرت الجميع
وقت وزمن وفكرة
طفلة بين زمنين