كتب عبد الرحمن شعبان سعد:
قد يظن البعض أن امتلاك وسائل الترفيه الكثيرة هو الطريق إلى السعادة، فالهاتف الذكي بين أيدينا، ومنصات الأفلام لا تنتهي، والألعاب الإلكترونية في كل مكان، والسفر والمطاعم والخروجات أصبحت جزءًا من حياة كثير من الناس. ومع ذلك، عندما يجلس الإنسان مع نفسه في هدوء، قد يكتشف أنه يشعر بفراغ داخلي لا تملؤه كل هذه الوسائل، وكأن شيئًا عميقًا ينقصه مهما حاول أن يشغل وقته.
إن الفراغ الحقيقي ليس فراغ الوقت، بل فراغ المعنى. فهناك من يملأ يومه بالانشغال، لكنه لا يشعر بالإنجاز، وهناك من يضحك مع الجميع، لكنه يعود إلى منزله مثقلًا بوحدة لا يراها أحد. ولذلك فإن كثرة الترفيه لا تعني بالضرورة راحة النفس، لأن النفس البشرية لا تعيش بالمتعة وحدها، بل تحتاج إلى هدف يمنحها سببًا للاستمرار، ورسالة تشعرها بقيمتها، وعلاقات صادقة تمنحها الطمأنينة.
لقد أصبح كثير من الناس يهربون من مواجهة أنفسهم، فيبحثون عن أي وسيلة تشتت أفكارهم. فإذا شعر بالملل أمسك هاتفه، وإذا شعر بالحزن فتح مقطعًا مضحكًا، وإذا ضاقت به الحياة انتقل من تطبيق إلى آخر، حتى أصبح الصمت نفسه شيئًا يخيفه. ومع مرور الوقت يعتاد العقل على الهروب بدلًا من المواجهة، فتزداد المشكلات في الداخل بينما يبدو كل شيء طبيعيًا من الخارج.
ومن أخطر أسباب هذا الفراغ أن الإنسان قد ينجح في بناء حياته من الخارج وينسى بناءها من الداخل. فيهتم بالمظهر أكثر من الجوهر، ويجمع المال أكثر مما يجمع الذكريات الطيبة، ويسعى إلى إعجاب الناس أكثر مما يسعى إلى رضا نفسه وربه. وعندما يصل إلى ما كان يتمناه يكتشف أن الأشياء التي امتلكها لم تمنحه الإحساس الذي كان يبحث عنه.
كما أن غياب العلاقات الإنسانية الصادقة ساهم في زيادة هذا الشعور. فليس كل من يحيطون بنا يعرفون ما يدور داخلنا، وليس كل حديث هو تواصل حقيقي. قد يمتلك الإنسان آلاف المتابعين، لكنه لا يجد شخصًا واحدًا يستطيع أن يحدثه بصدق عندما تضيق به الحياة.
والإنسان بطبيعته خُلق ليعيش حياة متوازنة، يعمل ويستريح، يفرح ويحزن، ينجز ويتأمل، يقترب من الناس ويختلي بنفسه أحيانًا، ويعيش بقلب مرتبط بالله. وعندما يختل هذا التوازن يبدأ الفراغ بالتسلل إلى القلب، مهما كثرت وسائل الترفيه من حوله.
الحلول العملية والإيجابية
أن يمنح الإنسان حياته هدفًا يعيش من أجله، فوجود الرسالة يملأ فراغًا لا تملؤه المتع المؤقتة.
أن يخصص وقتًا يوميًا للتأمل ومراجعة النفس بعيدًا عن ضجيج الهاتف ووسائل التواصل.
أن يبني علاقات حقيقية قائمة على الصدق والاهتمام لا على المصالح والمجاملات.
أن يوازن بين الترفيه والعمل والعبادة والعلاقات الأسرية حتى لا يطغى جانب على آخر.
أن يشارك في أعمال الخير والتطوع، فالعطاء يمنح النفس شعورًا عظيمًا بالقيمة.
أن يحرص على القراءة والتعلم وتطوير ذاته، لأن العقل مثل الجسد يحتاج إلى غذاء مستمر.
أن يجعل الترفيه وسيلة للراحة لا وسيلة للهروب من الواقع.
الرؤية الإسلامية
قال الله تعالى
﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
سورة الرعد الآية 28
وقال سبحانه
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
سورة الذاريات الآية 56
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك »
رواه الحاكم
وقال صلى الله عليه وسلم
« نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ »
رواه البخاري
الرؤية المسيحية
جاء في الإنجيل
« تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الْأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ »
إنجيل متى 11 : 28
وجاء أيضًا
« مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ »
إنجيل مرقس 8 : 36
وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى أن الإنسان لا يجد راحته الحقيقية في كثرة ما يملك، وإنما في امتلاء قلبه بالإيمان، وحياته بالمعنى، وأعماله بالخير، وعلاقاته بالمحبة والرحمة. فكل متعة في الدنيا مؤقتة، أما سلام النفس فهو ثمرة حياة متوازنة تعرف لماذا تعيش، وإلى أين تسير، وما الرسالة التي تريد أن تتركها بعد رحيلها.
وفي النهاية فإن أخطر أنواع الفراغ ليس أن يكون وقت الإنسان خاليًا، بل أن يكون قلبه خاليًا من الهدف، وعقله خاليًا من الرسالة، وروحه بعيدة عن الطمأنينة. فالترفيه قد يمنح الإنسان ساعات من المتعة، لكنه لا يستطيع أن يمنحه معنى الحياة. ولذلك فإن السعادة الحقيقية لا تُشترى، ولا تُقاس بما نملكه، بل بما نزرعه في قلوبنا من إيمان، وفي عقولنا من علم، وفي حياتنا من عمل صالح، وفي نفوس الناس من أثر طيب يبقى حتى بعد أن نغيب.






المزيد
الطف بدم الحسين
مقولات يومية مع عبدالرحمن
رسالةُ وداعٍ أخيرة