مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

في زمن تتقاطع فيه الكتابة مع أسئلة النشر والوعي التعاقدي، لم يعد الإبداع فعلًا معزولًا عن شروطه المهنية والثقافية.

حوار: الطاهر عبد المحسن

 

في هذا الحوار نقترب من تجربة الكاتب عمرو سمير شعيب لنحاور رؤيته للكتابة والنشر الورقي، وعقود النشر ودور الوعي في حماية النص والكاتب معًا ضمن قراءة تجمع بين العمق الفكري والمسؤولية الثقافية.

 

1.كيف تعرّفنا بنفسك اليوم، إنسانيًا وأدبيًا؟ وما الملامح التي تراها الأكثر حضورًا في تجربتك؟

 

أعرّف نفسي كإنسان يكتب ليحافظ على تماسكه الداخلي قبل أي شيء آخر، إذ تمثّل الكتابة بالنسبة لي صوتي الداخلي، ووجداني، وشعوري. وكاتب يرى في الأدب أداة للفهم لا للاستعراض.

إنسانيًا، أنا منحاز للأسئلة أكثر من الإجابات، وللهدوء أكثر من الضجيج.

وأدبيًا، يتمثّل الملمح الأبرز في تجربتي في الاشتغال على المناطق الرمادية: القلق، الهوية، الزمن، والهشاشة الإنسانية. فأنا باحث ومفكّر في الفلسفة، والنفس الإنسانية، والتاريخ الفلسفي، ويظهر ذلك في كتاباتي، كما في كتب بوح الروح، والعودة إلى الذات، وأوجه التاريخ الخفية.

 

2.متى كانت اللحظة الأولى التي شعرتَ فيها أن الكتابة ليست هواية عابرة، بل مسارًا وجوديًا لا يمكن الفكاك منه؟

 

كانت لحظة صامتة أكثر منها احتفالية، لأنني أدركت أنني أكتب حتى عندما لا أكتب، وأن الأفكار تتشكّل داخلي كضرورة لا كاختيار. في تلك اللحظة فهمت أن الكتابة ليست ما أفعله، بل ما أكونه حين أحاول فهم نفسي والعالم.

 

3.كيف انعكست تجاربك الحياتية والشخصية على صوتك السردي أو الشعري، وعلى الموضوعات التي تشتغل عليها؟

 

التجربة الحياتية لم تمنحني موضوعات جاهزة، بل منحتني حساسية مختلفة تجاه التفاصيل. انعكست في صوت يميل إلى التأمل، وفي نصوص تحاول تفكيك المعنى بدل تقريره. الألم، والفقد، والتحولات الداخلية، حضرت لا بوصفها أحداثًا، بل كحالات ذهنية ونفسية تتكرّر بأشكال مختلفة.

 

4.ما الذي تمثّله لكَ الكتب الورقية في زمن النشر الرقمي المتسارع؟ وهل ما زالت تحافظ على قيمتها الرمزية والإبداعية؟

 

الكتاب الورقي ما زال يحمل قيمة رمزية عميقة، لأنه إعلان عن اكتمال تجربة، وعن رغبة في البقاء. في زمن السرعة، يمثّل الكتاب الورقي فعل مقاومة هادئًا، ومساحة للتأمل البطيء، وهو ما لا يمكن تعويضه بالكامل رقميًا.

 

5.إلى أي حدّ ترى أن النشر الورقي يمنح العمل الأدبي شرعية مختلفة عن النشر الإلكتروني؟

 

النشر الورقي يمنح شرعية مؤسسية وتاريخية، لكنه لا يضمن الجودة بحدّ ذاته. الشرعية الحقيقية تأتي من النص، غير أن النشر الورقي يمنح العمل فرصة أطول للحياة، وللدخول في حوار نقدي وثقافي أوسع.

 

6.حدّثنا عن تجربتك مع دور النشر: ما الذي تعلّمتَه منها، وما أبرز التحديات التي واجهتك في هذا المسار؟

 

تعلّمت أن العلاقة مع دار النشر شراكة لا مجاملة، وأن الوضوح منذ البداية يجنّب الكثير من الإحباط. التحدّي الأكبر كان دائمًا في تحقيق التوازن بين الرؤية الإبداعية ومتطلبات السوق، دون التضحية بجوهر النص.

 

7.ما المعايير التي تعتمدها عند التفكير في التعاقد مع دار نشر؟ وما الخطوط الحمراء التي لا يمكن التنازل عنها؟

 

أنظر إلى احترام الدار للنص ولصوت الكاتب، وشفافية العقود، ووجود محرّر حقيقي، وخطة توزيع واضحة. أما الخط الأحمر الأساسي فهو أي تدخل يُفرغ النص من روحه، أو أي غموض يمسّ الحقوق الأدبية والمادية.

 

8.كيف تنظر إلى عقود النشر من حيث حماية حقوق الكاتب الأدبية والمادية؟ وهل ترى أن الوعي التعاقدي أصبح ضرورة اليوم؟

 

الوعي التعاقدي لم يعد ترفًا، بل ضرورة.

العقد هو الضامن الوحيد لحقوق الكاتب، وأي تساهل فيه قد يكلّف سنوات من الجهد. من المهم أن يقرأ الكاتب عقده بوعي، أو يستشير من يثق بخبرته، وأنا بصفتي دارسًا وممارسًا للقانون، أُدقّق بطبيعة الحال في هذه الناحية.

 

9.ما رأيك في النشر على نفقة الكاتب؟ هل تراه خيارًا مشروعًا أم نتيجة لاختلالات في سوق النشر؟

 

أراه خيارًا مشروعًا في بعض الحالات، لكنه غالبًا نتيجة لاختلالات حقيقية في سوق النشر. المشكلة ليست في المبدأ، بل في تحوّله إلى شكل من أشكال استغلال الكاتب تحت مسمّيات براقة.

 

10.ما أهمية المحرر الأدبي في رأيك، وأين تقف حدود تدخّله بين تحسين النص والحفاظ على صوت الكاتب؟

 

المحرّر الأدبي شريك خفي في نجاح الكتاب.

دوره أن يرى ما لا يراه الكاتب، لا أن يكتب بدلًا عنه. الحدّ الفاصل واضح: تحسين النص دون المساس بصوته أو رؤيته.

 

11.ما النصيحة التي توجّهها للكتّاب الشباب الراغبين في خوض تجربة النشر الورقي لأول مرة؟

 

أن يكتبوا أولًا لأنفسهم لا للسوق، وأن يتحلّوا بالصبر. النشر خطوة مهمّة، لكنه ليس الغاية. النص الجيد يجد طريقه، ولو بعد حين.

 

12.وفي ختام حوارنا، يسعدني أن أسمع رأيك الكريم حول مجلة إيڤرست الأدبية، من حيث رؤيتكم لدورها الثقافي وتأثيرها في دعم المواهب الشابة والمشهد الأدبي بشكل عام؟

 

مجلة إيڤرست تمثّل مساحة جادّة ومحترمة للاكتشاف والحوار الثقافي.

ما يميّزها هو انفتاحها على الأصوات الجديدة دون التفريط في القيمة الفنية، ودورها الواضح في بناء جسر حقيقي بين المواهب الشابة والمشهد الأدبي الأوسع.

 

وفي نهاية الحوار يقدّم هذا الحوار صورة لكاتب واعٍ بتجربته وبمسؤولية الكلمة يرى في الكتابة فعل فهم عميق، وفي النشر مسارًا لا يكتمل دون وعي تعاقدي يحمي النص وصاحبه.

إنها تجربة تؤكد أن الأدب الحقيقي لا يُقاس بسرعة انتشاره، بل بعمق أثره، وبالوعي الذي يصون الكلمة ويمنحها حقّها في البقاء