مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عشق دموي بقلم صافيناز عمر “معشوقة البدر”

عشق دموي بقلم صافيناز عمر “معشوقة البدر”

 

العشق يا عزيزتي، ليس دائمًا تلك الأغنية الحالمة التي تُغنّى في ليالي الصفاء، ولا هو دائمًا ذاك الحلم الوردي الذي يفتح أبواب السماء على سعادةٍ لا تنتهي. العشق، حين يخرج عن حدوده، يتحول إلى نارٍ تأكل صاحبها، إلى سيفٍ يجرح اليد التي تتمسك به، إلى قيودٍ من حرير لكنها أثقل من الحديد. هناك نوع من العشق لا يُشبه في صفاته أي حب عادي، عشق دموي، مسموم، ممتزج بالذل والغيرة والضعف، عشق يحوّل الإنسان من سيد إلى عبد، ومن قويٍّ إلى مكسور، ومن حرٍّ إلى مسجون باختياره.

 

العشق هذا، يا ترى، كيف أصفه؟ هو نزيف بطيء، يخرج من القلب على هيئة دموع، على هيئة تنهيدة طويلة في منتصف الليل، على هيئة انكسار يتكرر كل يوم. هو عشق يجعلكِ تغضّين الطرف عن كرامتكِ مرة، ثم مرة، ثم مئة مرة، حتى تفقدي القدرة على عدّ المرات. هو العشق الذي يُسقط منكِ كبرياءكِ أمام كلمة، أمام لمسة، أمام نظرة لا تُقال لكِ وحدكِ، لكنكِ تتظاهرين أنها تخصكِ فقط حتى لا تنهار روحكِ.

 

إنه العشق الذي يعلّمكِ طعم الذل، لكنكِ تتذوقينه وكأنكِ في حاجة ماسّة إليه. عشق يجعلكِ تطلبين الوجع كما يطلب العطشان الماء، وتنتظرين الغيرة التي تقتلكِ وكأنها الدليل الوحيد على أن قلبكِ ما زال ينبض. غيرة تُحاصركِ، تُخنقكِ، تجعلكِ تكرهين الهواء الذي يشاركه مع أحد غيركِ. غيرة تجعل من نفسكِ سجناً لكِ، فلا تعودي قادرة على أن تثقي حتى في لحظة صمت، ولا في ابتسامة عابرة، ولا في كلمة بريئة.

 

العشق الدموي، يا سيدتي، هو الذي يجعلكِ تسامحين بلا شروط. تخونه عيناكِ، يوجعكِ قلبكِ، يكسركِ مرارًا، ومع ذلك تعودين، وكأنكِ لا تعرفين طريقًا آخر غير العودة. هو الذي يجعلكِ تضمدين جراحه بيدٍ تنزف من جراحكِ أنتِ، وتبتسمين رغم أنكِ مدمّرة من الداخل، فقط لأنكِ لا تريدين أن يراكِ ضعيفًا فيبتعد.

 

هذا العشق يزرع فيكِ ذلًّا عجيبًا؛ ذلًّا تختارين أن تعيشيه، ذلًّا يجعلكِ تتنازلين عن كل ما كنتِ تظنين أنه أساس وجودكِ: كرامتكِ، كبرياءكِ، حتى نفسكِ. تصبحين عبدة لنظرة، لابتسامة، لغياب يوم، لحضور عابر. يتحوّل قلبكِ إلى ساحة حرب، سيوفها الغيرة، ورماحها الشوق، ودماؤها دموعكِ، وأنتِ وحدكِ الجندي والأسير والضحية في الوقت نفسه.

 

العشق هنا لا يمنحكِ الطمأنينة، بل يسرق منكِ النوم. لا يترككِ مرفوعة الرأس، بل يجبركِ على الانحناء. يجعلكِ تتلذذين بالوجع حتى تصيري مدمنةً عليه، مدمنة على القيود التي تقيدكِ، مدمنة على السجن الذي تصنعينه بنفسكِ. وكأنكِ تخافين من الحرية، تخافين أن تعيشي بدونه، تخافين أن تستيقظي يومًا فلا تجدي هذا العذاب حاضرًا بجانبكِ.

 

وما أدهى هذا العشق! يجعلكِ تبكين من كلمة، وتضحكين من كلمة، وتنهارين من غياب، وتُبعثين من حضور. كل تفاصيلكِ تُصبح مرتبطة به، حتى جروحكِ لا تلتئم إلا حين يلمسها، مع أنه هو نفسه سببها. تعيشين في تناقضٍ أبدي: تكرهين ما يفعله بكِ، وتحبين أن يفعله بكِ. تخافين من ذله، لكنكِ لا تستطيعين الابتعاد عنه.

 

إنه عشق يستهلك الروح كما يستهلك النار الحطب، يترككِ رمادًا يتناثر في مهبّ الريح، ومع ذلك تحرصين أن يبقى بقاياكِ معلّقة به. لا تعودين ملكة نفسكِ، بل أسيرةً في قصره، خادمة في عرشه، سجينة في عالمه. يصبح وجودكِ قائمًا عليه وحده، وكأنكِ لم تُخلقِي إلا له.

 

وهل هناك أشد قسوة من أن تفقدي ذاتكِ باسم العشق؟ وهل هناك أعمق من وجعٍ تعيشينه وأنتِ تبتسمين؟ ومع ذلك، هذا العشق الدموي لا يترككِ، ولا تريدين أنتِ أن تتركيه. هو مرض، لكنه أجمل مرض. هو سمّ، لكنه ألذ سمّ. هو موت، لكنه موتٌ ترجينه بكل رضا.

 

إنه العشق الذي يحوّلكِ إلى ظلّ، إلى خيال، إلى نسخة باهتة من نفسكِ الأولى، لكنكِ مع ذلك تتمسكين به وكأنه خلاصكِ الوحيد. هو عشق يعلّمكِ أن الذل يمكن أن يكون طوعًا، وأن الدموع يمكن أن تكون صلاة، وأن الغيرة يمكن أن تكون طوق نجاة رغم أنها غرق.

 

العشق الدموي يا سيدتي ليس حكاية تُروى في كتب الغزل، بل هو صراعٌ يوميّ، انكسارٌ متكرر، احتراقٌ بطيء. لكنه مع ذلك، يظلّ عشقًا، بل ربما هو أصدق أشكال العشق، لأنه يكشف حقيقتكِ كاملة: ضعيفة، عارية، مجنونة، غيورة، متمسكة بجرحكِ أكثر مما تتمسكين بالحياة نفسها.

 

فإن سألتِ: لماذا أستمر؟ فالجواب بسيط، لأن هذا العشق على قسوته يمنحكِ حياة لا يمنحها غيره، حياة مشتعلة، مليئة بالنار، مليئة بالدموع، لكنها حياة لا تخلو من المعنى. هو الذي يجعلكِ تعرفين أن قلبكِ ما زال ينبض، حتى لو كان ينبض بدماء وجعكِ. هو الذي يُبقيكِ مستيقظة، يقظة، متوهجة، حتى لو كنتِ على حافة الجنون.

 

فليكن العشق دمًا وذلًّا وغيرة، لكنه سيظلّ العشق، سيظلّ تلك النار التي تلتهمكِ، وتجعلكِ رغم كل شيء تقولين: “ما زلتُ على قيد الحياة، لأنني أعشق.”