مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عبدالله بن مسعود أول مذيع بالقرآن

كتبت: إيمان ممدوح نجم الدين

 

 

حين بدأ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- دعوتَهُ الشريفةَ بالإسلام، أسلمَتْ أولًا زوجتُهُ خديجةُ بنتُ خُوَيْلِد، وصاحبُهُ أبو بكر الصّّدِّيق، ومَوْلَاُه زَيْدُ بنُ حارِثَةَ، وابنُ عمهِ عليُّ بن أبي طالب، ثم أسلم عبدُالله بن مسعود ليكون سادس شخص آمَنَ بالله -جَلَّ وعَلَا- وبرسوله صل الله عليه وسلم.

 

وقصة إسلامه وإيمانه قصة ظريفة؛ فقد كان “عبدالله بن مسعود يَرْعَي غَنَمًا ذات يوم لأحد سادة قريش، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر الصديق، فسألاه:

_ هل لَدَيْكَ ما تسقينا منه؟!

فقال الغلام الذي طبع اللهُ الإيمانَ في قلبه:

  • إني مُؤْتَمَنٌ، ولَستُ ساقِيكُما.

فطلب رسول اللهِ منه شاةً لم تَلِدْ بعدُ، فمَسَحَ ضَرْعَهَا ودَعَا رَبَّهُ، فآتَتْ لبنًا حُلْوًا لذيذًا، فشرب منه ثلاثتُهم، ثم عادت كما كانت!

 

بُهِتَ الغلام من قدرة محمد، وعندما عرف أن هذه معجزةٌ من عند الله، آمن بالإسلام وبرسوله، ونطق بشهادة التوحيد قائلًا : «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله».

 

وقد كان “عبدالله بن مسعود” ذا صوتٍ عَذْبٍ رَخْوٍ، فحفظ القرآن وأجاد حِفْظَهُ، ولم يَخَفْ أحدًا من كفار قريش، فذهب ذات يوم إلى حيث يجلس أشْراق وزعماؤها يقرأ القرآن بصوٍت عالٍ:

 

« الرَّحَمَنُ، عَلَّمَ الَقُرَءَانَ، خَلَقَ اَلإِنسَنَ، عَلَّمَهُ البَيَانَ، الشَّمَسُ وَالَقَمَرُ بِحُسَبَانٍ، والنَّجَمُ وَالشَّجَرُ يَسجُدَانِ»، ثم واصل قراءته وزعماء قريش مَشْهدُوهين يكون عيونهم التي ترى هذا الفقير الأجير راعي أغنامهم وهو يَتَحَدَّاهُمْ في عقر دارهم ويقرأ عليهم القرآن.

 

وبهذا كان ان مسعود أول من جهر بالقرآن، وأولَ مَنْ صَدَحَ به في مكة.

فماذا فعل معه سادة قريش وزعماءها؟

لقد قاموا إليه وجعلوا يضربون وجهه، وهو ماضٍ في قراءته حتى فَرَغَ منها، فعاد إلى أصحابه مُصابًا في وجهه وجسده!

لقد كانت الشجاعة في سبيل الحق مبدأَهُ في الحياة.

وعَكَفَ على تَعَلُّم القرآن، وصدقت فيه نُبُوءَةُ رسولنا الكريم عندما قال له (إنك غلامٌ مُعَلُّمٌ)؛ فلقد عَلَّمَهُ رَبُّهُ حتى صارَ فَقِيهَ الأُمَّةِ وعميدَ حَفَظَةِ القرآن جميعًا، وأخذ بنفسه من فَمِ رسول الله سبعين سُورَةً من سُوَر القرآن، ولذلك مَدَحهُ رسول الله قائلًا: مَنْ أَحَبَّ أنْ يسمعَ القرآنَ غَضًّا كما أُنزلَ، فَلْيَسْمَعْهُ منَ ابْنِ أمَّ عَبْدالله.

وظل عبدالله بن مسعود يَجْهَرُ بالقرآن ويذيعه في كل مكان بمكة قبل الهجرة حتى يَئِسَ الكفار من سكوته.

 

ورافق عبدُ الله بن مسعود رسول الله صلّى الله عليه وسلم فعَرَفَ وتَعَلَّمَ منه، ورَوَي عنه الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة، ولم يُفَارِقْهُ في سَفَر ولا في حَضَر، وشَهِدَ كلَّها والغزواتِ جميعًا، فكان مِنْ أَعْلَمِ المسلمين بأمور دينهم ودُنْياهم.

وعاش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُعَلَّم الناس القرآن، حتى وَلَّاُه عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- على بيت مال الكوفة بالعراق، فأحبه أهل الكوفة حبَّا شديدًا.

 

وقد شهد عبدالله بن مسعود فتح بلاد فارس ( إيران)، كما شهد انكسار راية الروم، وخاض المعارك العديدة، وظل حاميًا للإسلام ومدافعًا.

وكذلك فقد نال شرفًا كبيرًا حين بَشَّرَهُ النبي صلى الله عليه وسلم وبارك بدخول الجنة؛ فهو من العشر المبشرين بالجنة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد كان جسمُهُ ضئيلًا كالعصفور -دِلالةً على نحافته وقِصَرِه- إذا يَكَادُ الجالسُ يُوَازِيهِ طولًا وهو قائمٌ، فلقد كانت له ساقان ناحِلَتَانِ دقيقتان، صعد بهما يومًا أعلى شجرةِِ أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، فلما رأي أصحاب ُ النبي دِقَّةَ رجْلَيْهِ ضحكوا، فقال عليه الصلاة والسلام:

تضحكون من ساقَيِ ابن مسعود؟! لَهُمَا أثقلُ في الميزان عند الله من جبل أُحد!

صدق نَبِيُّنا الكريمُ صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن ابن مسعود.