مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عالم جزئي

عالم جزئي

 

مريم الرفاعي

 

أشرقت الشمس لكنها لم تشرق ككل يوم
أشرقت لتكون موطنا للحب فصافحت وجهيهما لتحتويهما استيقظ جاد وغسل وجهه ثم أعد وجبة الافطار كالمعتاد
وأخرج فطوره إلى الاستراحة خارج الكوخ في الجهه المقابلة لغرفة قطر الندى كأنه أراد أن يمضي مع القدر الذي رسم حياته مسبقًا
وجلس ليفطر وكان إبريق الشاي بالقرب منه وكأسه المميز على الطاوله وكانت نسمات الهواء تصافح قلب جاد الذي لم يعرف الحب طريقا إليه يوما وبينما هو جالس يتناول طعام الإفطار وإذا به سمع صوت نافذة وهي تفتح فالتفت جاد ببطء نحو ذلك الصوت لكن قلبه سابقه بالإلتفات
فوجد فتاة تتسلل إلى خارج الشرفة وكانت المفاجئة هي أن تلك الفتاة هي قطر الندى فرأته ورأها وجلست تتأمله دون ملل وهو نظر إليها نضرة مطولة فلوحت له بيدها ولوح لها وأشار إليها أن تذهب لترتاح فتبسمت له وأومئت برائسها نعم وقالت أراك مرة اخرى
جاد نعم
قطر باشاره يديها شكرا
جاد طيب
فذهبت قطر الندى الى غرفتها واغلقت النافذه
اكمل جاد طعامه ونضف الطاوله ثم ذهب الى كوخه .
وبدأيجهز اللوحه والألوان الترابيه والمائيه والزيتيه وبدا يخطط لوحته ولكن هذه المره اغمظ عيناه ورسم فتاه وهي جالسه على قارعه الطريق وبدأ يتخيل صورة قطر الندى فرسمها بدقه متناهيه ورسم لها عقد من الؤلؤ وتاج من الياسمين.

ورسم تلّاً أخضر يمتد خلفها، كأن الأرض نفسها انحنت لتكون وسادةً لحلمها.

أمسك جاد الفرشاة، وغمسها في اللون الأزرق، ورسم السماء صافية إلا من غيمةٍ واحدة… تشبه ابتسامتها حين قالت “أراك مرة أخرى”.

مرّر أصابعه على اللون الترابي، ولطّخ به أطراف ثوبها في اللوحة، كأنها جلست على الأرض حقاً، كأنها كانت هنا، معه، تتقاسم الصمت والدفء.

كلما رسم تفصيلة، تذكّر حركةً منها:
– ميلان رأسها وهي تومئ “نعم”
– خفة يدها حين لوّحت
– ذلك البريق في عينيها الذي جعل الشمس تبدو باهتة أمام لمعانها

لم يكن يرسمها… كان يستعيدها.

في الجهة الأخرى من الكوخ، كانت قطر الندى تستند إلى النافذة المغلقة. لم تنم. وضعت يدها على الزجاج البارد، وكأنها تحاول أن تلمس الهواء الذي صافح وجهه قبل قليل.

همست: “شكراً” مرة أخرى، رغم أنه لم يسمعها.
ثم سحبت دفتراً صغيراً من تحت وسادتها، وبدأت تكتب:
“اليوم… صافحت الشمس وجهي، لكن يداً أخرى لوّحت لي، فصار للشمس معنى.”

جاد أنهى التاج الياسميني في اللوحة، وتوقّف.
نظر إلى عينيها المرسومتين… فابتسم.
ولأول مرة، كان قلبه يعرف الحب طريقه إليه.

وضع الفرشاة جانباً، وهمس للوحة: “أراكِ مرة أخرى”.

ثم خرج إلى الاستراحة، سكب لنفسه كأس شاي ثانٍ، وتركه يبرد على الطاولة… كأسين الآن. كأسه المميز، وكأس فارغ يقابل كرسياً فارغاً…….يتبع