لماذا نبكي على الميت أكثر مما نفرح بالحي؟
بقلم: المهيري بنعيسى
نحن شعب عجيب. نبكي على الميت أياماً وننفق على عزائه الأموال. ونبخل بكلمة حب واحدة على الحي الذي يعيش معنا تحت سقف واحد.
تزور قبر أبيك كل جمعة وتقرأ الفاتحة وتبكي. لكن أباك وهو حي لم تصافحه مرة بكلتا يديك. تجلس عند رأس أمك المريضة وتنهد بحرقة. لكن أمك وهي بصحة جيدة لم تجلس معها ساعة بلا هاتف.
مشكلتنا أننا نؤجل كل شيء جميل للمناسبات الحزينة. نقول أحبك عند القبر. نقول سامحني عند النعش. نقول افتقدتك عند التراب. وكأن قلوبنا لا تفتح إلا بالموت.
لماذا؟ لأن الخوف أقوى من الحب. نخاف أن نظهر ضعفنا. نخاف أن نكون عاطفيين. نخاف أن يقولوا عنا “طيبين” فننكسر. نخاف أن نحب فيجرحنا الحب. فندفن مشاعرنا حية ونخرجها على الجنازة ميتة. نجهز كلماتنا الجميلة للموتى لأن الموتى لا يردون. الموتى لا يضحكون علينا ولا يخونون ولا يتركون. الأحياء مؤلمون. الأحياء يحتاجون إلى شجاعة.
القرآن يعلمنا العكس تماماً. يعقوب عليه السلام قال لبنيه صراحة “إني ليحزنني أن تذهبوا به” فلم يخجل من حزنه. يوسف قال لأخيه “إني أنا أخوك فلا تبتئس” فلم يخف من الاعتراف بالحنين. والنبي ﷺ قال لفاطمة “أهلاً بابنتي” كلما دخلت عليه. وكان يقول لعائشة “إني أعرف غضبك ورضاك”. كان يعلن الحب. لم ينتظر الموت ليحتضن.
السيرة كلها درس واحد: لا تؤجل. صل رحمك اليوم. سامح أخاك اليوم. قل أحبك اليوم. لأنك لا تدري متى ينطفئ القلب الذي تظن أنه باق للأبد.
جرب هذا الأسبوع شيئاً واحداً فقط. اذهب إلى أمك وقلها بكل وضوح: أمي أحبك. ليس في عيد الأم. ليس في مرضها. ليس في مناسبة. فقط لأنها حية. اذهب إلى أبيك وقل له شكراً. ليس في عيد الأب. ليس وهو في المستشفى. الآن. اليوم. فقط لأنه لا يزال ينبض.
لا تؤجل قبلة إلى كفن. لا تؤجل كلمة إلى قبر. لا تنتظر الموت كي تتعلم الحياة.
لأن أسوأ ندم في الدنيا ليس أن تفشل. أسوأ ندم أن يموت من تحب وتدرك أنك كنت تستطيع أن تحبه أكثر.
المهيري بنعيسى






المزيد
طفلة بين زمنين
رياح التغيير تدق أجراسها/ بقلم/ الكاتبة/سعاد الصادق
آخر العنقود