بقلم/ آية طلعت مصطفى
أعجبتني لافتة على ممرّ طريق لا يمر فيه سوى المخذولين في الحياة. توقفت أمامها طويلًا، أتأمل معناها وأتساءل عن السبب. وحين بحثت عمّا وراءها، قال لي أحد المارّة: “إنها طبيعة البشر؛ ينكرون الوجهة الصحيحة، فلا ينظرون إلى من مدّ لهم يد العون وأنار وجهتهم. إنهم أقوياء فقط على التخلي، لكنهم كالممزّقة الياف قلوبهم عند أول تجربة يُتخلى عنهم فيها.”
تأملت كلماته، ثم قلت له: “ألا تعلم أن هذا هو سبب دمار العالم وشذوذ البشر؟ إن الخذلان لم يكن يومًا مجرد موقف عابر، بل هو جرح متجدد، يُزرع في الروح فيغيّر ملامحها، ويصنع بداخلها ندوبًا لا تُشفى. أما أنا، فسأمرّ من هنا مرة واحدة فقط يا صاح، فلا تنتظرني، فأنا أكره أن أعود إلى مكان كهذا. فمن منّا يريد الخذلان؟ ومن منّا يطيق التمرّد على ذاته؟”
كنت أقول له ذلك في كل مرة أمر بجانبه، ولا أرى منه سوى ابتسامة هادئة، وكأنها رسالة صامتة تخبرني أنني مهما اعترضت أو أعلنت رفضي، فالحياة ستظل تضعنا في طرق كهذا الممرّ، لتمتحن صدق مشاعرنا وقوة ثباتنا.
فالخذلان ليس لافتة على جدار، ولا طريقًا نمرّ به مرة واحدة، بل هو مدرسة قاسية تعلّمنا كيف ننهض من جديد. ربما نكرهه، وربما نتمرد عليه، لكن الحقيقة أنه يعيد تشكيل أرواحنا، ويمنحنا درسًا عميقًا في فهم البشر وفهم أنفسنا.
فالخذلان ليس فقط جرحًا من الآخرين، بل هو لحظة مواجهة مع الذات؛ عندها ندرك أن الأمان الحقيقي لا يُمنح بسهولة، وأن القلوب التي نودعها أسرارنا قد تصبح في أي وقت سيوفًا تُوجَّه إلينا. لكننا رغم الألم، نتعلم أن نصنع لأنفسنا درعًا من الصبر، ونورًا من الإيمان، كي لا نُطفأ في منتصف الطريق.
ولعل أعظم ما يتركه الخذلان فينا، أنه يفتح أعيننا على حقيقتنا: من نحن؟ ومن يستحق أن يبقى بجانبنا؟ إنه امتحان، وإن قسونا في وصفه، لكنه المرآة التي تعكس لنا معنى القوة والكرامة.






المزيد
إذا صلحَ الاختيار – تغيّرَ المسار
فلسفة الصدق الفني: لماذا يفشل المبدع حين يغترب عن بيئته؟
تكلفة الإنذار المبكر