إعداد: الطاهر عبد المحسن ابراهيم.
في مدينة تحاصرها النيران كما يحاصرها الضوء، وتنهض بين أنقاضها الكلمات كما تنهض الأرواح تبرز الكاتبة الفلسطينية إيمان زهدي أبو نعمة كواحدة من الأصوات التي نجحت في تحويل الألم إلى أدب، والمعاناة إلى رسالة والوطن إلى رواية لا تنتهي.
من غزة التي تُعلم العالم معنى الصمود، تكتب إيمان بعين شاهدة وقلبٍ جريح وروح أبية، لتصل كلماتها إلى القارئ العربي متجاوزة جدران الحصار وكل القيود.
في هذا الحوار، تفتح مجلة إيفريست نافذتها على تجربة إنسانية وأدبية تحمل صدقها وثقلها وحرارتها الخاصة.
من هي إيمان زهدي أبو نعمة الإنسانة قبل أن تصبح كاتبة؟ وكيف شكلت البيئة في غزة بداياتك الأدبية؟
لقد كنتُ معلمةً قبل أن أكون كاتبة، لذا ابتدعتُ شخصيات قصصي ورواياتي من خلال مخالطتي لطالباتي والاستماع لمشاكلهن، ومن خلال معاناة المجتمع الغزي في ظل حصارٍ خانقٍ أطبق براثنه علينا منذ سنوات طويلة، وحروبٍ عديدة باغتت حياتنا فعمَّقت معاناتنا. ومن وسط هذا الوجع وُلِد الإبداع، فحرصتُ على أن تحلق كلماتي وأفكاري متجاوزة حدود القطاع المحاصر لتصل للعالم ليعرفوا معاناة أهل غزة الصامدين رغم كل عناء.
متى شعرتِ أن الكتابة أصبحت جزءًا لا يتجزأ منك، وما أكثر كتبك عبّر عنك بصدق؟
موهبتي في الكتابة ترعرعت معي منذ طفولتي، ولكني لجأت لنشر كتاباتي مؤخراً بعد فوزي بعدة مسابقات أدبية على مستوى الوطن العربي أهلت كتاباتي للنشر حتى أدمنتُ الكتابة متحدية كل ظروف الحرب والحصار.
أكثر كتبي قربًا مني هو “طباشير ملوّنة”، وهو أول كتبي حيث رويتُ فيه قصصًا وتجارب حقيقية واجهتني أثناء عملي كمعلمة في غزة المحاصرة. تتراوح قصصه بين الألم والأمل والحزن والفرح، سعيًا لإيصال معاناة الطلبة وأنّاتهم بمداد قلمي.
ما الذي تمثله لك الكلمة؟ هل هي وسيلة للتعبير الشخصي، أم رسالة للمجتمع والقضية الفلسطينية؟
الكلمة بالنسبة لي رسالة توعية للشباب العربي بالقضية الفلسطينية وبمعاناة الغزيين تحت الحرب والحصار. قد تكون لدى البعض تعبيرًا عن الذات، لكنها عندي مسؤولية ورسالة، لذلك حملت رواياتي صوتًا يعكس المعاناة والظلم والاضطهاد.
كيف تؤثر تجربة الحياة في غزة على نصوصك؟ وهل ترى أن الأدب قادر على مواجهة الحصار والمعاناة؟
بالتأكيد أثرت الحياة في غزة على نصوصي؛ فهي مليئة بالقصص والحكايا. كتبت عن الفقد والأسر والحرب والخوف والنزوح.
الأدب يملك القدرة على نقل المعاناة للشارع العربي، ولذلك جندتُ قلمي ليحكي بلسان حال المنكوبين في هذه المدينة المحاصرة.
ما أبرز التحديات التي واجهتك ككاتبة فلسطينية، وكيف تغلبتِ عليها؟
قبل الحرب كان يعوقني عدم استطاعتي حضور حفلات التكريم خارج فلسطين بسبب الحصار، لكن أثناء الحرب تضاعفت المعاناة: قُصف بيتي، واحترق جهازي وذهبت معه كل كتاباتي الإلكترونية، وتشتت أوراقي بين النزوح والاحتراق.
أُضف إلى ذلك فقدي لزوجي وعدد كبير من عائلتي، وهو أثقل ألمٍ عبر حياتي.
ورغم ذلك، تغلبت بفضل الله؛ فالشدة تصقل الإنسان. صدر لي خلال الحرب ثلاثة كتب، وفزت بعدة مسابقات، ونشرت كتاباتي في مجلات عربية وعالمية.
ما الموضوعات التي تشغلك أكثر في كتاباتك؟ الحب، الوطن، الإنسان، أم مزيج من كل شيء؟
يشغلني الحديث عن معاناة الفلسطينيين في ظل الحرب والحصار، وعن الأسرى والفقد والحنين والخوف. أؤمن بأهمية الأدب في تعزيز الفكر المقاوم وتوعية الشعوب.
كيف ترين دور المرأة الفلسطينية في الأدب؟ وهل تواجه تحديات مختلفة عن الرجل الكاتب؟
دور المرأة محوري في الأدب الفلسطيني؛ فهي تعبر عن المعاناة من موقع الزوجة والأم والشريكة في الصمود.
معاناتها مضاعفة بسبب الحصار ومسؤوليات الحياة اليومية، فقد أعادتنا الحرب إلى العصور الحجرية لغياب الوقود والكهرباء، ما زاد العبء على كاهل المرأة.
برأيك، ما الوسائل التي يجب أن تُستخدم لدعم الكتّاب الفلسطينيين الشباب؟
يجب دعم الكتّاب الفلسطينيين عبر مسابقات أدبية خاصة بالقضية، وتوفير دورات أدبية، وفتح نوافذ للنشر في العالم العربي، حتى لا يعزلنا الحصار عن العالم.
كيف ترين المشهد الأدبي العربي والفلسطيني المعاصر؟ وهل وسائل التواصل الاجتماعي ساعدته أم أضعفته؟
هناك جهود تُبذل لدعم القضية، لكنها لا ترتقي لحجم الإبادة والحصار الذي نعيشه. نحن نخوض أقسى حرب في العصر الحديث.
أقدّر جهود الأدباء الذين كتبوا عن القضية عبر وسائل التواصل، فقد جعلوا صوت فلسطين حاضرًا في كل بيت عربي حر.
من هم الكتّاب أو الشعراء الذين تركوا فيك أثرًا واضحًا؟
أثر فيّ عدد من الكتّاب المعاصرين بينهم: أدهم الشرقاوي، أيمن العتوم، يوسف الدموكي، كفاح أبو الهنود، ونادين أبو نبعة.
إذا أردتِ أن توجهي كلمة لمجلة إيفريست، ماذا تقولين لها وللقرّاء؟
بوركت جهود القائمين على المجلة لرعايتهم للأدب وأهله، وشكرًا لكم لإتاحة الفرصة لي كي أطل على القرّاء العرب عبر نافذتكم المميزة.
ما الرسالة التي تحبين أن تصل لكل من يقرأ حروفك من فلسطين وخارجها؟
هذا قلمي أرسلته يحمل رسالة إنسانية سامية، جندته للدفاع عن القضية الفلسطينية ومعاناة غزة التي تتعرض لحصار وحرب لا ترحم.
ورغم الألم، ما زلنا نحلم بالحرية، نُرمم جراحنا، ونسير نحو فجرٍ نوقن بقدومه.
قد تنحت الحرب قلوبنا، لكننا ننتظر فرجًا يغسل أرواحنا بالطمأنينة والانتصار.
يبقى صوت الكاتبة إيمان زهدي أبو نعمة شاهدًا على جرحٍ لم يندمل، لكنه أيضًا شاهد على قوةٍ لا تنكسر. من بين الركام تكتب، ومن بين الألم تصنع الأمل، حاملةً الرسالة الأسمى: أن الحرف حين يكون صادقًا، يصبح أقوى من الحرب، وأبلغ من الرصاص، وأقدر على البقاء.






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب