مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

شدد اضلعي يا أخي – الكاتبة صافيناز عمر

شدد اضلعي يا أخي .

ك/ صافيناز عمر

كنتُ أراك يومًا سمائي التي لا يسقط فوقها غيم الخوف، وأرضي التي لا تهتز تحت قدميّ. كنتَ ظلّي الوارف، وصوت الأمان في فوضى العالم، والذراع التي أستند إليها كلما مالت بي الحياة. كنتَ يا أخي، في عيني، قمرًا يضيء عتمتي، وبحرًا أركن إليه إذا عصفت بي أمواج الأيام

منذ طفولتي وأنا أسمع أن الأخ سياج الروح، ودرع الضعف، وملاذ الضيق، فكنتُ أرى فيك كل ذلك وأكثر. كنتَ الحصن الذي احتميت به في ليالي خوفي، والمرايا التي رأيت فيها صورتي بلا انكسار. لم أتصوّر يومًا أن تهوي يدك على جسدي، لأن يديك كانتا دائمًا مسكنًا لدموعي، لا سببًا في انسكابها.

لكن اللحظة التي امتدت فيها يدك عليّ، كانت كالصاعقة التي أحرقت حديقتي الداخلية. لم تُصِب جلدي فقط، بل اخترقت أعماقي، واقتلعت من جذورها تلك الطمأنينة التي كنتَ تبنيها في قلبي منذ سنين. لم تكن صفعة لوجهي، بل صفعة لثقتي بك، لطهر الصورة التي كنتُ أضعك فيها.

ومنذ ذلك اليوم تغيّر كل شيء. صرتُ أعيش بجوارك على حافة حذرٍ دائم، أزن الكلمات قبل أن أغازل بها مسامعك، وأقيس الأنفاس قبل أن تتقاطع مع أنفاسك. صار الحوار بيننا هشًّا، والضحكة مكسورة الأطراف، كأننا نسير معًا فوق زجاج الخوف.

الكدمات التي تركتها على جسدي قد تتلاشى، لكن الكدمات التي غرستها في روحي تأبى الرحيل. فهي تعود في هيئة صورة عينيك لحظة الغضب، أو ارتجافة أصابعي حين أسمع وقع خطواتك، أو الصمت الثقيل الذي يخيّم بيننا حين يلتقي النظر بالنظر.

لستُ ضعيفة، لكنك حين ترفع يدك عليّ، تغتال القوة التي كنتُ أستمدها من قربك. كنتَ أمانًا لي، واليوم صرتَ السبب في ارتعاش قلبي. كنتُ أحتفظ لك بمقامٍ لا يطال، واليوم أراك من بعيد، بيني وبينك أسوارٌ من وجع وصمت.

يا أخي، حبّي لك لم يمت، لكنه نزف حتى أوشك على الانطفاء. إنني أشتاق إلى صورتك القديمة، أشتاق إلى ضحكتك حين كانت تحتوي قلبي لا ترعبه، إلى لمستك حين كانت تمسح على كتفي لا تؤذيه. أشتاق أن أنطق كلمة “أخي” وفي قلبي ارتواء، لا انكسار.

إنك لا تعلم، أو لعلك تتجاهل، أن كل ضربة تسلبني شيئًا لا يُردّ. تسلبني براءة الشعور بك، صفاء العلاقة التي جمعتنا، والسكينة التي كنت أستظل بها. ومع كل ضربة، تُسقط من روحي ورقة خضراء، حتى صارت شجرتي أمامك عارية، تتشبث بالحياة في صمت.

ليتك تدرك أن الجسد يشفى، أما الروح إذا انكسرت فلا طبّ لها. ليتك تفهم أن يدك حين تقترب منّي في لحظة غضب، إنما تُسقط منّي أمانًا بناه العمر، وتترك مكانه خواءً يضجّ بالصدى. ليتك تعلم أنني حين أهرب اليوم من نظراتك، فإنني أهرب من ألمك الذي يسكنني، لا من حبّي لك.

ومع كل هذا ما زلت أحبك، وأخشى عليك من نفسك قبل أن أخشى على نفسي منك. لكنّ الحب يا أخي لم يعد كافيًا ليغسل أثر يدك عن قلبي، ولم يعد وحده قادرًا على أن يعيد إليّ صورتي القديمة عنك. لقد قتلتَ شيئًا في داخلي، وما زلتُ حتى اللحظة أحاول أن أعيش من دونه… وأفشل.