مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

شخص مجهول بقلم صافيناز عمر

أحيانًا لا نحتاج إلى الكثير من الأشياء لنشعر أنّ الحياة ما زالت تحتضننا، يكفينا أن نجد من يُصغي إلينا بصدق، أن نتكئ على كلمة صادقة تُقال في لحظة صمت طويلة.
وأنا ما زلت مندهشة من وقع حديث قصير جمعني بشخص لا أعرفه، شخص لم تجمعني به الأيام من قبل، ومع ذلك استطاع ببضع جمل قليلة أن يغيّر في قلبي أشياء كثيرة. لم تكن كلماته طويلة، لكن وقعها كان عميقًا، وكأنها جاءت لترمم داخلي ما تفتت مع الأيام.

لقد تحدّثت وأنا لا أتوقع سوى أن يمر الكلام كما اعتدت، عابرًا، بلا صدى. لكنني وجدت من يُنصت بصدق، لا يسمع صوتي فحسب، بل يسمع قلبي أيضًا. ولأول مرة منذ زمن بعيد، شعرت أنّ كلماتي لم تضِع في الفراغ، وأنّ صمتي لم يكن عبثًا، وأنّ وجودي مرئيّ في عين إنسان غريب عني.

إنّ فرحتي لم تكن في الكلمات نفسها بقدر ما كانت في الإصغاء، في ذلك الإنصات الذي جعلني أشعر بأنني لست وحدي، وأنّ ما أحمله في داخلي يستحق أن يُقال، ويستحق أن يجد قلبًا آخر يلتقطه. الغريب أنّه أول لقاء، وأول حديث، لكن صداه كان أعمق من كل ما سمعته من أناس قضيت معهم أعمارًا ولم يعرفوا يومًا كيف يسمعونني.

ربما لم يدرك هو أنّ كلماته البسيطة منحتني قوّة، وأنّ حضوره في تلك اللحظة أنقذني من تعبٍ ثقيل. وربما لا يعلم أنّني ممتنّة له لأنّه منحني شعورًا نادرًا، شعور أن يكون هناك من يقدّر أبسط ما في داخلي دون أن يحكم أو يستخف.

لقد اكتشفت أن أبسط العبارات، إذا خرجت من قلبٍ صادق، قادرة على أن تحيي قلبًا أرهقته الخيبات، وأنّ الإصغاء الحقيقي قد يكون أثمن هدية نتلقّاها في زمنٍ ضجّ بالضجيج. وربما يرحل هذا الشخص من حياتي، وربما يظل أثره فقط، لكن تلك اللحظة ستبقى محفورة في داخلي، تذكرني دائمًا أن بعض الغرباء قد يهبوننا ما عجز عنه الأقربون، وأنّ لقاءً واحدًا قد يكون كافيًا ليعيد إلينا إيماننا بأنفسنا وبالحياة.”