بقلم: وهيبة جمال عبد الكريم
أثناء متابعتي لمباريات كأس العالم 2026، لفت انتباهي أمر غريب. كنت أظن أن الجماهير العربية ستتحد تلقائياً خلف المنتخبات العربية المشاركة، غير أن المثير للاهتمام والصدمة في آنٍ واحد كان ما حدث خارج المستطيل الأخضر، وتحديداً في فضاء العالم الافتراضي.
فكلما خسر منتخب عربي، وجدتُ بين ركام التعليقات من يحتفل بتلك الخسارة وكأنها انتصار ساحق لفريقه، ومن يسخر من جماهيره المكسورة وكأنها خصم لدود يجب التغلب عليه وهزيمته نفسياً.
لقد جعلني ذلك أتساءل بمرارة: متى تحولت المنافسة الرياضية الشريفة إلى حالة من الشماتة المتبادلة؟ وكيف أصبح بعضنا ينتظر تعثر الآخر أكثر مما ينتظر نجاح واستحقاق فريقه؟
عندما تسطو السياسة على المستطيل الأخضر
لا أتحدث هنا عن حق كل شخص المطلق في تشجيع المنتخب الذي يميل إليه قلبه، فذلك أمر طبيعي في عالم كرة القدم، لكن ما يثير الانتباه والريّبة هو أن الخلافات السياسية العميقة والنقاشات الحادة على مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تمتد كالنار في الهشيم إلى الرياضة، حتى أصبحت تؤثر سلباً في نظرة الشعوب إلى بعضها بعضاً.
لقد بدت كرة القدم هذا العام، للأسف الشديد، وكأنها مرآة مصقولة تعكس واقعاً أوسع وأكثر قتامة:
تراجع الاحتفاء المشترك: فبدل أن تكون مشاركة المنتخبات العربية مناسبة للاحتفال بحضور عربي مشترك في أكبر تظاهرة رياضية عالمية، كشفت حجم الانقسام الذي تسلل إلى العلاقات بين أبناء المنطقة الواحدة.
تسييس الرياضة: أصبح الفوز والخسارة أحياناً مجرد وسيلة فجة للتعبير عن مواقف وخلفيات لا علاقة لها بالرياضة أو الروح الرياضية أصلاً.
وربما كان السؤال الأهم والأخطر: إذا كنا نعجز عن الفرح لنجاح بعضنا في مجال رياضي ترفيهي، فكيف يمكن أن نبني شعوراً حقيقياً بالتضامن والوحدة في المجالات المصيرية الأكثر أهمية؟
الدرس الأوروبي: تجاوز صراعات التاريخ من أجل المستقبل
وعندما نقارن واقعنا بالتجربة الأوروبية، لا يعني ذلك أبداً أن الشعوب الأوروبية خالية من الخلافات أو الصراعات التاريخية؛ بل إن تاريخ القارة العجوز مليء بالحروب الدموية والنزاعات المريرة التي امتدت لقرون وحصدت ملايين الأرواح.
غير أن دولها أدركت في مرحلة مفصلية من عمر التاريخ أن التعاون والبراغماتية يحققان منافع تفوق بمراحل صراعات الهدم الدائم، فأنشأت مؤسسات ومشاريع تكاملية جعلت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة تتقدم بخطوات واسعة على الخلافات الجانبية.
إن الرياضة في جوهرها وفلسفتها الأولى ليست ساحة لتصفية الحسابات السياسية أو لتفريغ شحنات الكراهية، بل هي مساحة للتنافس الشريف، والتقارب، والتعارف بين الشعوب. ومن المؤسف أن تقلب الآية لتصبح ساحة تعكس بدقة حجم الاغتراب والانقسام الذي نعيشه.
خلاصة وتساؤل للمستقبل:
وربما لهذا السبب يراودني تساؤل بسيط ومُلح: إذا كانت دول أوروبية فرقتها الحروب الطاحنة لعقود طويلة قد استطاعت بنضجها أن تلتقي وتتكامل تحت مظلة الاتحاد الأوروبي.. فهل يأتي يوم ننجح فيه نحن أيضاً في بناء صورة أعمق من التعاون العربي؟ صورة ناضجة تجعلنا نفرح لنجاح الآخر الحليف، كما نحزن بصدق لتعثره وسقوطه.






المزيد
أن تكوني النجاة… لنفسكِ
ثقتك بنفسك ليست رفاهية: دليلك للنجاة من ضغوط الحياة اليومية
النشر الصحفي بين الاحترافية والمحاباة: هل يهدد الذكاء الاصطناعي مهنية الصحفي؟