أسيادنا الجدد
الكاتب هانى الميهى
الفصل العاشر
أشتاق أحيانًا إلى زمن لم أعشه.
زمن كان الإنسان فيه يعرف جاره أكثر مما يعرف العالم.
كان يعود إلى بيته فيجد الحديث ينتظره، لا الإشعارات.
ويجلس مع أحبته، فينظر إلى وجوههم لا إلى شاشات صغيرة تسرق انتباهه كل دقيقة.
لا أعرف متى تغير كل شيء.
لكنني أعرف أننا أصبحنا نعيش بسرعة لا تشبهنا.
نركض طوال الوقت.
نستيقظ على صوت الهاتف.
وننام ونحن نحمله بين أيدينا.
نتفقده عشرات المرات، كأن شيئًا مهمًا سيحدث إذا تركناه قليلًا.
والحقيقة…
أن أهم الأشياء في حياتنا لا تأتي عبر شاشة.
أم تبتسم لك.
صديق يسألك بصدق.
طفل يضحك دون سبب.
غروب شمس لا يحتاج إلى صورة.
لكننا أصبحنا نرى كل شيء…
إلا هذه الأشياء.
أحيانًا أجلس وسط الناس فأشعر بغرابة المشهد.
كل واحد ينظر إلى عالمه الخاص.
أصابع تتحرك بسرعة.
وجوه مضيئة بالشاشات.
وقلوب لا أعرف إن كانت تتحدث أم لا.
أتساءل:
هل اقتربنا فعلًا من بعضنا؟
أم أننا أصبحنا نعرف أخبار الجميع…
ونجهل أنفسنا؟
صرنا نخاف أن يفوتنا شيء.
رسالة.
خبر.
صورة.
لكننا لا نخاف أن يفوتنا العمر.
لا نخاف أن تمر أيام كاملة دون أن نشعر بها.
أن نجلس مع من نحب ونحن غائبون.
أن نضحك ونحن نفكر في شيء آخر.
أن نعيش حياتنا…
كأننا نشاهدها من خلف زجاج.
الغريب أننا اخترعنا كل هذه الأشياء كي تمنحنا الحرية.
لكنها سرقت منا شيئًا صغيرًا جدًا.
الهدوء.
ذلك الهدوء الذي كان يجعل الإنسان يسمع نفسه.
يعرف ماذا يريد.
وماذا يخاف.
وماذا يحب.
أما الآن…
فكل شيء يتحدث حولنا.
إلا نحن.
أخاف أحيانًا من سؤال بسيط:
إذا انطفأت كل الشاشات فجأة…
هل سنعرف كيف نعيش؟
هل سنتذكر كيف نتحدث؟
كيف ننتظر؟
كيف نجلس مع أنفسنا دون ملل؟
أم أننا سنكتشف أننا أصبحنا غرباء عن الإنسان الذي كنا عليه؟
لقد صنع الإنسان أشياء مذهلة.
أسرع من الضوء.
وأذكى من الخيال.
لكنه ما زال يبحث عن شيء واحد…
راحة قلبه.
وربما…
لن يجدها في آلة صنعها بيديه.
بل سيجدها يوم يتذكر…
أنه خُلق ليعيش الحياة.
لا ليطاردها.
فأخطر ما في أسيادنا الجدد…
أنهم لم يسرقوا وقتنا فقط.
بل جعلونا ننسى…
أن أجمل الأشياء في الحياة،
كانت دائمًا…
أبسطها.






المزيد
وجع الإبتسامة بقلم فاطمه هلال
كن صديقا لذاتك بقلم سها مراد
ما أثقل الأرواح حين تنكسر بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر