مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لماذا أصبح البعض يفضل الهروب من المسؤولية بدلًا من مواجهتها؟

كتب عبد الرحمن شعبان سعد:

المسؤولية كانت وما زالت أحد أهم المعايير التي يُقاس بها نضج الإنسان وقوة شخصيته، فهي ليست مجرد التزام بعمل أو واجب، بل هي قدرة على مواجهة الواقع وتحمل نتائج القرارات والأفعال. لكن المتأمل في بعض السلوكيات المنتشرة في المجتمع اليوم يلاحظ أن هناك من أصبح يفضل الهروب من المسؤولية بدلًا من مواجهتها، وكأن التهرب منها سيجعل الأعباء تختفي أو المشكلات تنتهي من تلقاء نفسها.

هذه الظاهرة لا ترتبط بعمر معين أو فئة محددة، فقد نجدها لدى بعض الشباب والكبار، وفي الحياة الأسرية أو العملية أو الاجتماعية. فهناك من يتهرب من مسؤولياته تجاه أسرته، وهناك من يتهرب من أداء واجباته في عمله، وآخرون يرفضون الاعتراف بدورهم في أي مشكلة ويبحثون دائمًا عن شخص آخر يلقون عليه اللوم.

ومن أسباب انتشار هذا السلوك أن البعض نشأ في بيئة اعتادت حل مشكلاته نيابة عنه، فلم يتعلم منذ الصغر كيف يتحمل نتائج أفعاله أو كيف يواجه التحديات بنفسه. كما أن الخوف من الفشل يجعل بعض الأشخاص يفضلون الهروب على المواجهة، لأنهم يعتقدون أن تحمل المسؤولية قد يعرضهم للنقد أو للمحاسبة.

وتلعب وسائل الراحة الحديثة دورًا في ذلك أحيانًا، فالحصول على الكثير من الأشياء بسهولة قد يجعل بعض الناس أقل استعدادًا لتحمل المشقة أو بذل الجهد اللازم لإنجاز المهام وتحقيق الأهداف. ومع مرور الوقت يتحول الهروب من المسؤولية إلى عادة تؤثر على حياة الإنسان وعلاقاته ومستقبله.

لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن المسؤولية ليست عبئًا كما يظن البعض، بل هي طريق للنمو والتطور واكتساب الخبرات. فالإنسان الذي يتحمل مسؤولياته يصبح أكثر قوة وثقة بنفسه وأكثر قدرة على تحقيق النجاح في مختلف جوانب حياته.

الحلول العملية والإيجابية

تعويد النفس على تحمل نتائج القرارات وعدم الهروب منها

تنمية الثقة بالنفس وعدم الخوف من الفشل

تقسيم المسؤوليات الكبيرة إلى خطوات صغيرة يسهل تنفيذها

تعلم مهارات التخطيط والتنظيم وإدارة الوقت

الابتعاد عن ثقافة إلقاء اللوم على الآخرين

تربية الأبناء على الاعتماد على النفس منذ الصغر

النظر إلى المسؤولية باعتبارها فرصة للتطور لا عبئًا يجب الهروب منه

الرؤية الإسلامية

قال الله تعالى

﴿ وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴾
سورة الصافات الآية 24

وقال سبحانه

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾
سورة البقرة الآية 286

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

« كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته »
رواه البخاري ومسلم

وقال صلى الله عليه وسلم

« احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز »
رواه مسلم

الرؤية المسيحية

جاء في الإنجيل

« فليُمتحن الإنسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس »
رسالة كورنثوس الأولى 11 : 28

وجاء أيضًا

« لأن كل واحد سيحمل حمل نفسه »
رسالة غلاطية 6 : 5

وتدعو التعاليم الدينية سواء في الإسلام أو المسيحية إلى تحمل الإنسان لمسؤولياته بأمانة وإخلاص، وإلى أداء الواجبات وعدم التهرب منها، لأن المجتمع القوي لا يُبنى على الأعذار والهروب بل على أشخاص يدركون أدوارهم ويقومون بها بكل صدق واجتهاد.

وفي النهاية فإن المسؤولية ليست عقوبة ولا عبئًا ثقيلًا كما يتصور البعض، بل هي دليل على النضج والثقة والقدرة على صناعة التغيير. فالإنسان الذي يواجه مسؤولياته بشجاعة قد يتعثر أحيانًا لكنه يتعلم وينجح ويتقدم، أما من يهرب منها فقد يؤجل المشكلة لبعض الوقت لكنه لا يستطيع التخلص منها. ولذلك يبقى تحمل المسؤولية أحد أهم المفاتيح التي تصنع شخصية قوية ومجتمعًا أكثر استقرارًا وتقدمًا.