مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

سر المرآة

Img 20241209 Wa0048

كتبت منال ربيعي

 

كانت ليلى طفلة صغيرة تسكن في بيت جدها القديم، بيت يثير الخوف بممراته المعتمة وسلالمه الخشبية بلا درابزين. كلما حاولت أن تخطو إلى الطابق الثاني، كان الخوف يقيدها، وكأن الظلام نفسه يهمس لها أن تبقى بعيدة.

 

في يوم، وبينما كانت تلعب الغميضة مع جيرانها، تسلل الجميع للاختباء. بحثت ليلى في كل مكان، حتى تلك الزوايا التي لا تقترب منها عادة. لكنهم اختفوا. لم تجد أحدًا. بقيت هناك زاوية واحدة، سلم الطابق الثاني. تحدّت نفسها، رغم خوفها، وصعدت بخطوات مترددة، زاحفة كمن يقاوم السقوط.

 

عندما وصلت، كان كل شيء ساكنًا. في إحدى الغرف القديمة، لفت نظرها بريق تحت السرير. كانت مرآة ذات إطار نحاسي. خافت أن تلمسها، خشية أن تتسبب بكسرها، لكن الفضول غلبها. مسحت الغبار بيدها، فإذا بوجه غريب يظهر مكان وجهها. في لحظة خاطفة، شعرت بجاذبية تسحبها نحو المرآة.

 

عالمها اختفى، لتجد نفسها في قصر فاخر بملابس وأجواء غريبة. الأصوات من حولها كانت مزيجًا من العربية والتركية، والأثاث يحمل زخارف الأرابيسك التي رأتها يومًا في كتب أبيها. حين نظرت إلى انعكاسها، لم تكن ليلى. كانت في جسد امرأة ترتدي فستانًا حريريًا مرصعًا بخيوط الذهب، وعلى رأسها تاج ثقيل. لم تدرك الوضع إلا حين نطقت الخادمة بجملة هزت كيانها:

“مولاتي، الحمام جاهز.”

 

هي الآن شجرة الدر.

بدأت الذكريات تختلط في ذهنها؛ ذكريات شجرة الدر الحقيقية مع أفكار ليلى. شجرة الدر كانت تدرك أن هذه اللحظة، ربما تكون الأخيرة قبل مصيرها المحتوم. ليلى، المحاصرة في هذا الجسد، حاولت أن تنذرها:

“لا تعودي، هناك خيانة تنتظرك. اتركي القصر الآن!”

 

لكن شجرة الدر ابتسمت بهدوء، كمن يعلم الحقيقة منذ زمن. قالت لها:

“ليس كل من يهرب ينجو. أحيانًا يكون موت المرء شهادة على قوته.”

 

ليلى شعرت بشيء من السلام يغمرها. رأت شجرة الدر تخطو بثقة، رغم أن الموت يحيط بها من كل جانب. لم تكن النهاية إهانة، بل كانت مشهدًا يليق بامرأة اختارت أن تبقى سيدة مصيرها حتى النهاية.

 

عادت ليلى إلى عالمها، لتجد المرآة مكسورة بجانبها. لكنها لم تعد كما كانت. عرفت الآن أن الخوف ليس عدوها، وأن الكرامة هي أقوى ما يمكن للمرء أن يتركه خلفه.